بقلم / نجلاء كرار
في كل مرة تُفتح فيها أبواب العودة لبعض المجموعات المسلحة إلى السودان، ترتفع الأصوات بالهتاف والتكبير، وكأن البلاد استعادت أبناءها الغائبين، وكأن السلام أصبح قريباً.
لكن الحقيقة التي يخشى كثيرون مواجهتها هي أن بعض هذه “العودات” لا تحمل معها السلام، بل تحمل احتمال استمرار الحرب بصورة جديدة، وبخطاب مختلف، وبأدوات أكثر تعقيداً.
المشكلة ليست في عودة السوداني إلى وطنه، فالوطن يسع الجميع، ولا أحد يرفض أن يعود السوداني إلى أرضه وأهله.
لكن السؤال الحقيقي:
ما الذي يأتي مع هذه العودة؟
هل تأتي معها إرادة إيقاف الحرب؟
أم تأتي معها ترتيبات جديدة لاستمرارها؟
لقد أصبح واضحاً أن الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولم تعد كما يصورها البعض “حرب كرامة” بالشكل البسيط الذي يُطرح في المنابر والخطابات العاطفية.
الحرب اليوم أصبحت شبكة معقدة من المصالح، تتداخل فيها الحسابات السياسية، والاقتصادية، والإقليمية، وحتى الدولية.
وفي وسط كل هذا، يبقى المواطن السوداني هو الضحية الوحيدة التي تدفع الثمن كاملاً.
هناك من يرفع الشعارات بحماس، ويدعو لاستمرار القتال دون أن يسأل نفسه:
من الذي يستفيد فعلاً من استمرار هذه الحرب؟
ومن الذي يملك قرار إيقافها؟
ولماذا كلما اقترب الناس من الأمل، عادت المعارك بصورة جديدة؟
المؤلم أكثر أن كثيراً من الناس أصبحوا يرددون كلمات الحرب كما لو كانت أناشيد عادية، دون أن يروا حجم الخراب الحقيقي خلفها.
بيوت دُمّرت، أسر تشردت، أطفال فقدوا مدارسهم وأمانهم، وأمهات ينتظرن أبناءً قد لا يعودون أبداً.
ومع ذلك، ما زال البعض يتحدث عن الحرب وكأنها بطولة مجردة من الألم الإنساني.
الحروب لا تصبح مقدسة فقط لأن أحدهم أطلق عليها اسماً كبيراً.
فالكرامة الحقيقية لا تُقاس بعدد البنادق، ولا بعدد المدن المحروقة، ولا بعدد الجثث التي تسقط كل يوم.
الكرامة الحقيقية أن يبقى الوطن قائماً، وأن يبقى الناس أحياء، وأن يجد الأطفال مستقبلاً لا تحاصره أصوات الرصاص.
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل تحولها إلى فكرة عادية في عقول الناس.
أن يصبح الدم خبراً يومياً، وأن يصبح النزوح رقماً، وأن يتحول الخوف إلى جزء من تفاصيل الحياة.
عندما يحدث ذلك، تكون الحرب قد انتصرت على الوعي قبل أن تنتصر في الميدان.
ولهذا يجب أن ينتبه الناس جيداً لكل خطاب يدفع نحو استمرار القتال دون أن يقدم حلاً حقيقياً.
ويجب أن ننتبه أكثر لأولئك الذين يتحدثون باسم الوطن بينما الوطن نفسه ينهار أمام أعين الجميع.
ليس كل من دعا للسلام ضعيفاً،
وليس كل من رفض الحرب خائناً.
بل ربما يكون أكثر الناس حباً للسودان هو ذلك الشخص الذي تعب من دفن الأحلام، وتعب من عدّ الضحايا، وتعب من رؤية الوطن يُستنزف يوماً بعد يوم.
السودان اليوم لا يحتاج مزيداً من الهتافات للحرب، بل يحتاج شجاعة الاعتراف بالحقيقة.
الحرب مهما طال زمنها لن تصنع وطناً مستقراً، ولن تمنح الناس حياة كريمة، ولن تبني مستقبلاً آمناً.
نحتاج إلى وعي أكبر من العاطفة،
وإلى صوت العقل أكثر من صوت البنادق،
وإلى مشروع وطن يجمع السودانيين بدلاً من أن يقسمهم بين معسكرات الحرب والكراهية.
فالتاريخ لا يرحم الذين صفقوا للدم،
ولا ينسى الذين صمتوا وهم يرون أوطانهم تحترق.











إرسال تعليق