لواء شرطة (م)
د . إدريس عبدالله ليمان
يقول الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم : ( وما كان لنفسٍ أن تموت إلاَّ بإذن الله كتاباً مؤجلاً ) .. و ( كل نفسٍ ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ) صدق الله العظيم .
بقلوبٍ ملؤها الحزن والألم ويملؤها الإيمان بقدر الله وقضائه تلقينا نبأ رحيل القائد الشرطى العظيم الفريق عمار عثمان عبدالرحمن بعد صراعٍ طويل مع المرض ، ومع تسليمنا بمشيئة الخالق والرضا بالقضاء لا نقول إلاَّ ما يرضى الله سبحانه وتعالى فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون .
*تحكى* لنا كتب التأريخ أن الأرض تُنتَقص من أطرافها حينما يرحل عظيماً من العظماء ، وتنطفئ برحيله منارة من منارات الهُدى التى كانت تُرسل إشعاعها لتضئ للآخرين ..!! ومن طبيعة البشر أنهم لا يُدركون عظمة الرجال إلاَّ حينما يتركون مكانهم شاغراً فى هذه الدنيا التى وصفها خالق الكون بأنها متاع الغرور .. فعمَّار لم يكن شُرطيّاً عاديّاً بل قائداً إستثنائياً ورجلاً بحجم أمة وأحد العظماء الذين أنجبتهم الشرطة السودانية .. فقد كان مدرسةً فى القيادة والشجاعة وفى الإيثار وفى الشهامة السماحة والكرم .. وهذا هو حال الدنيا فقد قضت حكمة الخالق عَزَّ وجَلَّ بأن تكون رحلتنا فيها موقوتة تنقضى أعمارنا بإنقضاء آجالنا فيها ، وحينها يغرب نهارها المُضئ بغروب شمسها ومصدر ضوئها وضيائها .. وهكذا يرحل العظماء كما يرحل النهار ، ويختفون كما تغرب الشمس فيفتقده الناس كما يفتقدون ضوء القمر فى الليالى المعتمة وفى الليلة الظلماء يُفتقد البدر ..!! .. فقد كان عمار *بدراً* إفتقدته الشرطة عند تقاعده وإفتقدت فيه قائداً *شجاعاً* لا يخشى فى الحق لومة لائم .. *حكيماً* راجح العقل صائب الرأى ثاقب البصيرة .. ولم يكن فقده حينها للشرطة فحسب بل لجميع مكونات المجتمعات التى عمل بها فملأ القلوب محبةً وإخاءًا فإمتلكها بالتواضع والجود والإيثار ..!! ولم يكن تقاعده حين تقاعد خسارة للإحتياطى المركزى فحسب بل خسارة جسيمة وخطباً جللاً حزنت له جميع إدارات الشرطة .
لقد عاش عمار عمراً مديداً بقياس الفعل والحضور والأثر لا بمقياس الزمن العادى ..!! فقد حقق فيه من خدمةٍ لأمن الوطن ما يعجز الإنسان العادى أن يحققه ولو إمتدَّ به العمر لسنواتٍ وسنوات .. ولم يكن أبداً متكبراً مستعظماً مستأسداً على منسوبيه كما كان يفعل صاحبنا المُستنعِج ..!! بل كان عظيماً من عظماء الشرطة المعاصرين ورمزاً من رموزها الذين صدقوا ماعاهدوا الله عليه .. ولم يرفع لافتةً عليها إسمه وإن فعل فهو أحق بها من غيره وأولى الناس بها ، فقد كان عظيماً تصغر فى عينه العظائم ..!!
لم أتشرف بالعمل تحت إمرة الراحل العظيم إلاَّ سنواتٍ قلائل بشرطة ولاية كسلا التى كان مديراً لها ضمن كوكبة من أفاضل الزملاء من داخل الشرطة وخارجها حضوراً دائماً بناديها الجميل ، وكم كنت أتعجب من تواضعه وهو يصر على الجلوس معنا في طاولة الوست أو الهارت مع بعض عبارات المحبة والمودة ( الحارقة والحامضة ) التى كُنّا نستعذبها منه ونحتفى بها على حموضتها وهو يشكل ثنائي ( غيَّاظ) مع الأخ الحبيب عزالدين السيد ( الشرير ) من وجهاء الوريفة ومن أصدق أصدقاء الشرطة وكم من ( سيكٍ رئاسية ) كتبت على جدران النادي ، وكم من ( دامةٍ ) سوداء كانت من نصيب الإخوة الأعداء ..!! كما كنت أيضاً أتعجب أكثر من كرمه وهو يدعونا بإستمرار إلى داره العامرة أيام العطلات ويخدمنا ويصنع لنا الطعام بنفسه ويقدمه بسماحة نفس وهو القائد والأخ الأكبر ..!! فمكانته كانت تفرض علينا أن نكون نحن الساعين إلى خدمته وليس العكس إلاَّ أنها الأخلاق الفاضلة فى أبهى صورها وأدق معانيها ، وقد مات قومٌ وما ماتت فضائلهم ، وعاش قومٌ وهم فى الناسِ أمواتُ ..!! ولن أستطيع من خلال هذه الأسطر التى كُتبت تحت وقع الصدمة فى هذا الرزء والجلل أن أُحيط بخصال الفقيد التى لمست بعضاً منها خلال عملي تحت إمرته ومن تواصله الإسفيرى معي وآخرها تسجيله الصوتى وهو يعلق متأثراً بعبرة تكاد تخنقه لبعض ما كتبت .. وتلك الخصال والمآثر التى سمعتها ممن كانوا قريباً منه ، أو أن أُعبِّر عن عُشر عُشرها ..!! ولا أملك إلاَّ أن أردد مع كل من تصدَّق عليهم فى السِّر من أُسر الشهداء وأصحاب الحاجات ، ومع كل من بَشَّ فى وجوههم فى العلن : ( اللَّهم أغفر له وأرفع درجته فى المهديين وأحشره مع النبيين وأجعل قبره روضةً من رياض الجنة ومناراً مُستضاءًا لا يشكو فيه ظُلمة ولا خوف ، وبشره بروحٍ وريحانٍ وجنَّةٍ ونعيم .. اللَّهم آمين ) وصادق التعازى لكل الشرطة ولقادتنا فيها من الدفعة 37 .
لواء شرطة (م)
د . إدريس عبدالله ليمان











إرسال تعليق