بقلم / م. مامون محمد الطيب عمر
الحلقة الثالثة
أعود لتفصيل ما أجملت سابقا عن الإنسان السوداني مواطنا أو علي سدة المسئولية حاكما ..
كنت قد أشرت للمرتكزات التي يقوم عليها بنيان الشخصية السودانية بصفة عامة وأولها المعتقدات الدينية والموروث الشعبي والتيارات الفكرية الحديثة ..
الدين الاسلامي يمثل معتقد غالب شعوب السودان والنسخة التي سادت فيه وصلت على دفعات كبيرة متصلة على مر التاريخ منذ بروز الدعوة في مكة وحتى أخر الامبراطوريات العربية الاسلامية في العهد العباسي وما تلاها من دويلات ..
وأنتقل مع الوافدين الجدد من أهل التجارة والباحثين عن مواطن عيش جديدة أو معية المنفيين سياسيا و الهاربين بمعتقداتهم المذهبية وأفكارهم السياسية عن مراكز سلطة الامبراطوريات الأموية ثم العباسية وماتلاها من دويلات ..
غلب على هذه المجاميع في محصلتها النهائية بروز التيار الصوفي وسيادته على مجمل المشهد والذي بدوره شغل حيزا كبيرا من وجدان السكان والشعوب بهذه الرقعة من الأرض وساهم بقسط وافر في تشكيل مزاجها العام وتعاطيها مع مفاهيم الدين وإرتباط ذلك بالسياسة وإدارة الشأن العام ..
تأثر المزاج الديني العام كذلك بالتحولات الدينية والسياسية التي كان يموج بها الجار المصري شمالا ولعل أبرزها أثرا حينها الدولة الفاطمية بمذهبها الشيعي الإسماعيلي ويمكن ملاحظة ذلك في التعلق الكبير بأهل بيت النبوة في مظاهر لا تخطئها عين المراقب المدقق ..
الإسلام بنسخته الصوفية يقوم على مرتكزات تميزه عن المدارس الإسلامية الأخرى ومن هذه المرتكزات :
١- تزكية النفس في مجال السلوك لذلك تمثل الأخلاق العامة قاعدة أساسية وهدف يسعى لتحققه الشيوخ مع سالكي الطريق وإن تجاوزوا في ذلك التدقيق الشديد على الشعائر ..
٢- الزهد والتقليل من طلب الدنيا ومتاعها والسعي لتلبية حاجاتها ناهيك عن التوسع فيها ..
٣- الطاعة الغير مشروطة من السالك لشيخه وإتباع مايصدر عنه من توجيهات دونما نقاش ..
انعكست هذه الركائز في نسخة الإسلام المتصوف بصور وملامح عديدة في بنية الشخصية السودانية السلوكية إيجابا وسلبا ..
فمن إيجابياتها :
– تمثل الإنسان السوداني جملة من الأخلاق الإنسانية كالمشاركة والكرم والنخوة وإغاثة الملهوف والإيثار و الصبر على مشاق الحياة ونوائبها والتسامح و الأريحية في تقبل الأخر وكثير من الأخلاق الكريمة المشاهدة ..
ولكنها في المقابل أسست لمجموعة مقابلة من الممارسات السالبة فأنتجت كغيرها من مذاهب التدين التقليدي إنسانا ذا عقلية قياسية يعتمد مرجعية موروثة يكون فيها ..
– مقلدا متبع غير مبدع ..
– ترسيخ قيد الجماعة مما أضعف روح المبادرة الفردية ..
– تحديد معنى التوكل بإنتظار الحلول دون السعي لتحقيقها بإعمال الفكر الحر .. ومنها مفهوم انتظار الفرج ..أو المخلص ..المهدي المنتظر ..الخ
– التقليل من الإهتمام بحاجات الإنسان المتزايدة مما أدى لقلة الإهتمام بتطوير وسائل الحصول عليها كالتعليم و ترقية الإنتاج ومفاهيم مثل الفعالية وتجويد العمل لرفع مستوى الحياة المادية..
ونلاحظ إحتفال الأمثلة الشعبية في كثير من محتوياتها و الإنحياز لهذه المعاني الموجب منها والسالب .. دراج العاطلة .. الفقرا إتقسموا النبقة ..كان جريت جري الوحوش غير رزقك ما بتحوش ..الدنيا جيفة تركناها لكلابها .. ملحوقة ما طايرة ياخ .. أخرها كوم تراب .. الما عندو شيخ شيخو الشيطان .. الخ
أما الموروث الشعبي فيحفل كذلك بجملة مما ذكر أعلاه اضافة لبعض الملامح العامة التالية :
– غلبةالتفكير المعمم على الإهتمام بالتفاصيل الضرورية لتشخيص المعضلات والمشاكل ..
– عدم الإنضباط والخضوع للنظم والقوانيين العامة المنظمة لحياة المجتمعات المنظمة .. السلوك البدوي المنفلت .. العقل الرعوي كما وصفه الأستاذ النور حمد
– ضعف الإحساس بأهمية الوقت وقيمته..
– الإحتفال المبالغ بالممارسات الإجتماعية وتغليب الوفاء بها على الواجبات الخاصة بالعمل عاما كان أو خاصا ..
والمجال لا يتسع لتعداد هذه الصور موجبها وسالبها ولعل كل واحد من المتابعين يجد منها في جعبته الكثير مما هو متوارث ومتداول في مجتمعه الصغير والكبير معا ..
أواصل ..











إرسال تعليق