عودة الروح إلى الجزيرة .. مصرف الإدخار للتنمية الاجتماعية يستأنف رسالته من ود مدني

  • بتاريخ : 20 مايو، 2026 - 2:23 م
  • الزيارات : 21
  • بقلم / سمير سيد عثمان

    في صباحٍ يشبه عودة الروح إلى الجسد ،، عاد مصرف الإدخار للتنمية الاجتماعية إلى موقعه الأول ومكانه الطبيعي بمدينة ود مدني ،، بعد سنواتٍ من الغياب الذي فرضته ظروف البلاد وتعقيداتها ..
    ولم تكن العودة مجرد انتقالٍ إداري أو استئنافٍ للعمل التنفيذي ،، بل بدت وكأنها استعادةٌ لذاكرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية في ولاية الجزيرة ،، وإحياءٌ لدورٍ ظلّ هذا المصرف يؤديه بصمتٍ وإخلاص في خدمة صغار المنتجين وأصحاب الحرف والشرائح الضعيفة منذ تأسيسه ..

    ومنذ اللحظة الأولى لنشأته في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 1974 ،، وهو التاريخ الذي يتزامن مع اليوم العالمي للإدخار ،، حمل المصرف رؤيةً مختلفة عن بقية المؤسسات المصرفية التقليدية ..

    فقد جاء تأسيسه على يد الراحل المقيم الأستاذ *منصور أحمد الشيخ* ليكون مصرفاً منحازاً للفقراء وصغار المنتجين ،، مؤمناً بأن التنمية الحقيقية تبدأ من القاعدة الاجتماعية الواسعة ،، لا من رؤوس الأموال الكبرى وحدها ..

    ومن هذا الفهم العميق لمعنى التنمية ودور المؤسسات الوطنية في خدمة المجتمع ،، تشكلت ملامح الرؤية التي سار عليها مصرف الإدخار للتنمية الاجتماعية منذ تأسيسه ،، فلم يكن مجرد مؤسسة مصرفية تسعى لتحقيق الأرباح ،، بل مشروعاً اجتماعياً وتنموياً حمل طموحاً واضحاً بأن يكون المؤسسة المصرفية الأولى في السودان في تقديم خدمات التمويل الأصغر ،، واضعاً في مقدمة أولوياته الوصول إلى الشرائح التي ظلت بعيدة عن مظلة التمويل التقليدي ..

    ومن هذا المنطلق ظل المصرف يعمل على تقديم خدمات مالية متنوعة وصيرفة اجتماعية متميزة ،، إلى جانب دوره في تعبئة المدخرات وتعزيز ثقافة الإدخار وسط المجتمعات المحلية ،، إيماناً منه بأن بناء الاقتصاد الحقيقي يبدأ من تمكين الإنسان البسيط ومنحه أدوات الإنتاج والاستقرار الاقتصادي ..

    كما ارتبطت أهداف المصرف ارتباطاً مباشراً بقضايا التنمية ومحاربة الفقر والبطالة ،، عبر توجيه موارده نحو دعم النشاط الاقتصادي والإنتاجي وخدمة التنمية الاجتماعية الشاملة ..

    فقد ظل المصرف سنداً للفقراء وصغار المنتجين والحرفيين والمهنيين والأسر المنتجة والمرأة والشباب والخريجين والطلاب ،، فاتحاً أمامهم أبواب التمويل والعمل والإنتاج ،، ومؤمناً بأن التنمية الحقيقية تُقاس بقدرتها على تحسين حياة الناس وخلق فرصٍ تحفظ لهم الكرامة والاستقرار ..

    وامتد دور المصرف كذلك إلى دعم البحوث ودراسات الجدوى للمشروعات الاقتصادية والاجتماعية ،، والمساهمة في مشروعات التنمية الزراعية والصناعية والعمرانية ،، ليظل على امتداد مسيرته واحداً من أبرز المؤسسات الوطنية التي جمعت بين العمل المصرفي ورسالة التنمية الاجتماعية في آنٍ واحد ..

    ومنذ ذلك التاريخ ارتبط اسم المصرف ارتباطاً وثيقاً بإنسان الجزيرة ،، بالمزارع في الحقول ،، والحرفي في ورشته ،، والمرأة المنتجة في بيتها ،، والشباب الباحثين عن فرصة عمل تحفظ لهم الكرامة وتفتح لهم أبواب الإنتاج ..

    لذلك لم يكن غريباً أن يُعرف المصرف بأنه الرائد الأول في مجال التمويل الأصغر بالسودان ،، قبل أن يصبح هذا المفهوم متداولاً في السياسات الاقتصادية الحديثة للقطاع المصرفي ..

    لقد نجح مصرف الإدخار للتنمية الاجتماعية عبر عقودٍ طويلة في أن يضع بصمةً واضحة في تحريك عجلة الإنتاج بولاية الجزيرة ،، مستنداً إلى فلسفة تقوم على أن التمويل ليس مجرد أرقامٍ ومعاملات ،، بل أداةٌ للتغيير الاجتماعي ومحاربة الفقر وبناء الاستقرار الاقتصادي ..

    فكم من مشروعٍ صغير بدأ بتمويلٍ متواضع من المصرف ،، ثم تحول إلى مصدر رزقٍ دائم لأسرٍ كاملة ..

    وكم من امرأةٍ استطاعت عبر برامجه التمويلية أن تؤسس نشاطاً إنتاجياً منحها الاستقلال الاقتصادي والقدرة على الإسهام في إعالة أسرتها ..

    وكم من شابٍ وجد في سياساته التمويلية المرنة نافذةً للأمل في زمنٍ تضيق فيه الفرص ..

    ولم يقتصر دور المصرف على التمويل فقط ،، بل امتد إلى نشر ثقافة الإدخار وتعزيز قيم الإنتاج والعمل ،، حتى أصبح جزءاً أصيلاً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي لولاية الجزيرة ..

    ولذلك ظل حضوره في وجدان الناس أكبر من مجرد مؤسسة مصرفية ،، إذ مثل بالنسبة للكثيرين شريكاً حقيقياً في معركة الحياة والتنمية ،، واستحق عن جدارة ان يعرف بأنه *(البنك الصديق على طول الطريق)* لما ظل يقدمه من دعم مساندة لصغار المنتجين والشرائح الضعيفة عبر مختلف المراحل والظروف ..

    إن عودة المصرف اليوم إلى ود مدني تحمل دلالاتٍ كبيرة تتجاوز الجانب الإداري والتنظيمي ..

    فهي رسالة ثقة في قدرة الجزيرة على النهوض مجدداً ،، وإشارة واضحة إلى أن المؤسسات الوطنية العريقة قادرة على استعادة دورها مهما تعاظمت التحديات ..

    وتحمل عودة مصرف الإدخار للتنمية الاجتماعية إلى مدينة ود مدني معاني أعمق من مجرد استئنافٍ للنشاط الإداري ،، فهي عودةٌ إلى الجذور الأولى التي انطلقت منها رسالته التنموية والإنسانية ..

    فالمصرف ظل حاضراً في وجدان المواطنين وصغار المنتجين ،، باعتباره واحداً من المؤسسات التي ارتبط اسمها بدعم الإنسان البسيط ومساندة مشروعاته الإنتاجية ..

    لذلك جاءت هذه العودة لتبعث الأمل من جديد في نفوس أهل الجزيرة ،، ولتمثل خطوةً مهمة نحو استعادة الحراك الاقتصادي وتحريك عجلة الإنتاج بولاية ظلت لعقودٍ طويلة تمثل القلب الزراعي النابض للسودان وسلته الغذائية الكبرى ..

    كما أن هذه العودة تمثل دفعةً معنوية واقتصادية مهمة لصغار المنتجين الذين ظلوا يعتمدون على المصرف باعتباره الأقرب إلى احتياجاتهم والأكثر فهماً لظروفهم ..

    وتأتي هذه الخطوة في وقتٍ تحتاج فيه ولاية الجزيرة إلى إعادة بناء الدورة الاقتصادية وتحريك قطاعات الإنتاج الزراعي والحرفي والخدمي ،، وهو الدور الذي يمتلك المصرف فيه خبرةً تاريخيةً متراكمة جعلته أحد أهم أدوات التنمية الاجتماعية والاقتصادية بالسودان ..

    فهنيئاً لانسان ولاية الجزيرة بعودة أحد أبرز مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية بكل إداراتها التنفيذية ،، وهنيئاً لصغار المنتجين بعودة مصرفهم الرائد ،، الذي ظل على امتداد نصف قرنٍ عنواناً للثقة والتنمية والانحياز للإنسان البسيط ..

    وستظل تجربة مصرف الإدخار للتنمية الاجتماعية شاهداً على أن المؤسسات التي تُبنى على خدمة الانسان تبقى راسخةً في وجدانهم مهما تعاقبت الظروف والأزمان ..

    سمير سيد عثمان
    الثلاثاء 19 مايو 2026م