الأمن القومي السوداني: من وهم الحماية إلى مشروع البناء(10)

  • بتاريخ : 20 مايو، 2026 - 1:19 م
  • الزيارات : 19
  • بقلم /د. حيدرمعتصم مدني
    مركز الخرطوم للحوار

    لفترة طويلة جرى اختزال مفهوم الأمن القومي في السودان في الجانب العسكري أو الأمني المباشر،وكأن حماية الدولة تعني فقط:

    امتلاك السلاح،

    أو تأمين الحدود،

    أو مواجهة التهديدات المسلحة.

    لكن التجارب الحديثة أثبتت أن الدول لا تنهار دائمًا بسبب ضعف جيوشها… بل كثيرًا ما تنهار بسبب ضعف مجتمعاتها، واضطراب هويتها، وهشاشة بنيتها الداخلية.وهنا يظهر الخلل العميق في فهم الأمن القومي السوداني.

    *الأمن القومي ليس مجرد* *حماية النظام*
    وهذه من أخطر الإشكالات التي عانت منها كثير من الدول المأزومة.إذ جرى الخلط بين:

    أمن الدولة،

    وأمن النظام السياسي،

    وأمن المجتمع.
    فأصبحت بعض السلطات تنظر إلى الأمن القومي باعتباره: “حماية السلطة من الخصوم”، لا: “حماية الدولة والمجتمع من الانهيار”.وهذا الاختزال يُحوّل مفهوم الأمن من مشروع وطني شامل… إلى أداة صراع سياسي.
    ما هو الأمن القومي الحقيقي؟
    الأمن القومي في معناه العميق هو: قدرة الدولة والمجتمع على:

    البقاء،

    والاستقرار،

    وحماية المصالح العليا،

    ومنع التفكك،

    وإدارة التهديدات الداخلية والخارجية.
    أي أنه ليس مجرد ملف عسكري، بل منظومة متكاملة تشمل:

    الاقتصاد،

    والتعليم،

    والهوية الوطنية،

    والتماسك المجتمعي،

    والغذاء،

    والمياه،

    والإعلام،

    والثقافة،

    والاستقلال الاستراتيجي،

    وقدرة الدولة على اتخاذ قرارها بحرية.
    ولهذا فإن الدولة التي تملك جيشًا قويًا.لكن مجتمعها مفكك، واقتصادها هش، وهويتها مضطربة، تبقى دولة معرضة للخطر مهما امتلكت من سلاح.

    *السودان وأزمة الأمن* *القومي*

    السودان عاش طويلًا دون تعريف مستقر لمصالحه العليا.
    ولهذا ظل يتعامل مع الأمن القومي بعقلية:
    رد الفعل، لا:البناء الاستراتيجي.
    فتحولت الدولة غالبًا إلى:

    إدارة أزمات،

    وملاحقة تهديدات،

    والتعامل مع انفجارات متكررة، بدل بناء مشروع وطني يقلل احتمالات الانفجار أصلًا.

    أخطر تهديد للأمن القومي السوداني:هشاشة الداخل و
    ليس التهديد الخارجي وحده هو الخطر الأكبر، بل ضعف البنية الوطنية الداخلية.
    حين:

    يضعف التماسك المجتمعي،

    وتغيب المرجعية الوطنية المشتركة،

    وتتآكل الثقة بين المجتمع والدولة،

    وتُختطف المؤسسات،

    ويتحول الاستقطاب إلى حالة دائمة،
    تصبح الدولة قابلة للاهتزاز من الداخل قبل الخارج.وهذا ما أثبتته التجربة السودانية مرارًا.

    *الأمن القومي يبدأ من* *المجتمع*
    الدولة التي لا تملك مجتمعًا:

    متماسكًا،وواعيًا بالمصلحة العامة،وقادرًا على حماية دولته، تبقى دولة هشة مهما امتلكت من أدوات القوة الرسمية.ولهذا فإن بناء:

    التعليم،

    والوعي،

    والاقتصاد،

    والعدالة،
    والثقة الوطنية، هو جزء أساسي من الأمن القومي، لا ملفات منفصلة عنه.

    *الأمن القومي والاستقلال* *الاستراتيجي*
    الدولة التي لا تُعرّف مصالحها بنفسها…يُعاد تعريفها من الخارج
    وهذه من أهم القضايا التي واجهت السودان.فحين تغيب الرؤية الوطنية الواضحة، تتحول البلاد إلى:
    ساحة نفوذ،وميدان صراع مشاريع إقليمية ودولية،وبيئة قابلة للاختراق السياسي والاقتصادي والأمني.
    ولهذا فإن الاستقلال الحقيقي لا يعني فقط رفع العلم، بل امتلاك:

    رؤية وطنية،

    وقرار مستقل،

    وقدرة على ترتيب التحالفات

    وفق المصلحة الوطنية لا التبعية.
    *لماذا تفشل المقاربة الأمنية* *وحدها؟*
    لأن الأمن لا يُصنع بالقوة فقط.
    فالقوة قد تمنع الانهيار مؤقتًا، لكنها لا تبني الاستقرار وحدها.
    الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى:

    عدالة،

    وتنمية،

    ومؤسسات،

    ومجتمع يشعر بالانتماء للدولة،

    ونخب تدرك معنى المصلحة الوطنية.
    أما حين تُعالج كل الأزمات بعقلية أمنية فقط، فإن جذور الأزمة تبقى قائمة تحت السطح.
    السودان يحتاج إلى “مشروع أمن قومي” لا “إدارة تهديدات”
    وهذا فرق جوهري.
    إدارة التهديدات تعني: التعامل مع الأزمات بعد وقوعها.
    أما مشروع الأمن القومي، فيعني: بناء دولة تقل فيها احتمالات الانهيار أصلًا.
    أي الانتقال من:
    عقلية النجاة، إلى:
    عقلية البناء.
    ما الذي يحمي السودان فعلًا؟
    ليس فقط:

    السلاح،

    ولا التحالفات،

    ولا الأجهزة الرسمية وحدها.

    بل:

    مجتمع متماسك،

    ودولة عادلة،

    واقتصاد قادر على الصمود،

    ووعي وطني جامع،

    ومؤسسات مستقلة،

    وعقد اجتماعي واضح،

    ورؤية استراتيجية للمصلحة الوطنية.
    فهذه هي الحماية الحقيقية طويلة المدى.
    *معركة السودان القادمة* *هي:*
    تعريف المصلحة الوطنية
    لأن الدولة التي لا تعرف:

    ما الذي تريد حمايته،

    وما هي أولوياتها،

    وما هي خطوطها الحمراء،

    وما هي مصالحها العليا،
    تبقى رهينة:

    ردود الأفعال،

    والاستقطاب الداخلي،

    والاختراق الخارجي.

    ولهذا ربما تكون الخطوة الأولى الحقيقية نحو بناء أمن قومي سوداني مستقر هي: إعادة تعريف السودان لنفسه، ولمصالحه، ولمشروعه الوطني، بعيدًا عن صراعات اللحظة وأوهام الهيمنة المؤقتة.
    فالأمن القومي ليس مجرد حماية حدود… بل حماية فكرة الوطن نفسها من التفكك.