بقلم : امين الجاك عامر المحامي
“كاتب- محامٍ- مستشار قانوني”
بتاريخ 18 مايو 2026 نشر الأستاذ صبري محمد علي على منصة 5WS News مقالًا بعنوان: «ماذا تعرف عن تسييل الذهب السيادي ولماذا رفضت المالية المقترح؟».
ولكي أُحيط بهذا الأمر من جوانبه المختلفة، قمت بقراءة المقال أكثر من مرة، خاصة أنه انتهى بطرح سؤال مهم حول مدى معقولية قرار تسييل الذهب بدلًا عن بيعه المباشر.
وأثناء محاولتي لفهم الفكرة بصورة أعمق،شعرت بأن هنالك حلقة مهمة مفقودة داخل هذا الطرح، فاستعنت — كعادتي — بالمكتبة الغنائية السودانية لتهدأ النفس ويصفو الذهن، فاستمعت إلى الأغنية السودانية الشهيرة «سال من شعرها الذهب» للشاعر أبو آمنة حامد، والتي تغنى بها الفنان الراحل صلاح بن البادية، حيث يقول فيها:
سال من شعرها الذهب فتدلّى وما انسكب
كلما عبثت به نسمة ماج واضطرب
النجيمات والخصل في عناقٍ وفي غزل
وبعد الفراغ من سماع هذا اللحن الجميل،عادت بي الذاكرة إلى أيام زمان، وتذكرت جدي — عليه الرحمة والمغفرة — وكان من كبار تجار بيع الأقمشة بالجملة. فعندما يرغب في مساعدة أحد الراغبين في دخول عالم التجارة، ممن لا يملكون رأس المال الكافي، كان يطلب منه تقديم رهن عقاري مقابل حساب جارٍ من بضاعة القماش، ويظل ذلك الرهن قائمًا ضمانًا لسداد قيمة البضاعة، ولكل صاحب رهن “دفتر جرورة” تُدوّن فيه الحسابات والالتزامات.
وهنا أدركت جوهر الفكرة التي يدور حولها المقال، وفهمت أن المقصود بتسييل الذهب لدى البنوك هو تحويل الذهب إلى سيولة نقدية، أي استخدامه كرهن أو ضمان للحصول على أموال سائلة،بدلًا عن بيعه مباشرة. بمعنى آخر: تحويل أصل ثابت وآمن مثل الذهب إلى نقد جاهز للاستخدام الفوري.
غير أن مثل هذه المعاملات تظل محفوفة بعدة اعتبارات ومحاذير، من أهمها:
*سعر الذهب العالمي وقت التسييل أو البيع،
*نسبة العمولة والخصومات البنكية،
*درجة نقاء الذهب ووزنه،
*القوانين المنظمة للتعاملات المصرفية والشرعية،
*ومدى القدرة على الوفاء برد المبلغ المستلم في الزمان والمكان المتفق عليه.
ولعل هذه المحاذير مجتمعة هي التي جعلت وزارة المالية — بحسب ما ورد في المقال — لا تميل إلى هذا المقترح، وتفضّل التعامل المباشر المعروف بين التجار: البيع الحر، أو كما يقول المثل الشعبي السوداني:
«دا يِصُر ودا يِجُر».
فإذا لم تكن ضامنًا لقدرتك على سداد المبلغ المستلم مقابل الرهن، فإن “رزق اليوم باليوم” قد يكون أكثر أمانًا وأقل مخاطرة من الدخول في التزامات قد تتعقد مع تغير الأسعار وتقلبات الأسواق











إرسال تعليق