والله ما قرأتُ تحذيراً أصدق، ولا استشرافاً أدق، ولا قراءة للتاريخ أوصل للحاضر من هذا المقال

  • بتاريخ : 7 مايو، 2026 - 4:57 م
  • الزيارات : 9
  • بقلم / المهندس الإمام عبد اللطيف الإمام

    “وزير التخطيط العمراني الأسبق”

    الأستاذ الكاتب الكبير أحمد يوسف التاي،

    السلام عليكم ورحمة الله،

    *أخي التاي ،لقد قرأت مقالك* المؤرخ في 27 ديسمبر 2022، والذي أعدت نشره أمس ، فوالله ما قرأت تحذيراً أصدق، ولا استشرافاً أدق، ولا قراءة للتاريخ أوصل للحاضر منه.

    لقد كنتَ صوت العقل حين سكتت الألسن، وشاهد البصيرة حين عميت الأبصار. استحضرت سيرة “عثمان بن أرطغرل” لا لتزجية الفراغ، بل لتضع الأمة أمام مرآة التاريخ: فمن لا يقرأ التاريخ يُكرِّر مآسيه. وقد كررناها بحذافيرها.

    أربعة أشهر ونصف فقط هي ما فصل بين *جرس الإنذار الذي قرعته في “الانتباهة”*، وبين اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. حذّرتَ من أطماع حميدتي وطغيانه يوم كان سدنة الأقلام المأجورة يتسابقون لتلميعه، ويقدّمونه منقذاً ورئيساً قادماً. فصدق قلمك وكذبت أبواقهم. والتاريخ لا يرحم، وها هو أرشيف الصحف يشهد لك.

    *درس السلاجقة مع قبيلة الكاي* كان يجب أن يُدرَّس في كلية الأركان وفي القصر الجمهوري قبل أن يُدرس في كتب التاريخ. الدولة التي تصنع قوة موازية لجيشها، وتخلع عليها الرتب، وتطلق يدها في المال والسلاح والقرار، إنما *تُرضع الأفعى من ثديها حتى إذا اشتد سُمّها لدغت صدرها*. وقد لدغتنا. “دولة داخل الدولة” لا تنتهي إلا بابتلاع الدولة الأم، أو تمزيق الوطن. وقد رأينا بأم أعيننا كيف تحققت نبوءة السلاجقة على أرض السودان.

    قلتَ: “*أسمعتَ إن ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي*”. وهذه وحدها تصلح عنواناً لمأساتنا. المصيبة لم تكن في غياب التحذير، فقد كتبتَ وكتب غيرك. المصيبة كانت في صمم النخب، وفي غفلة الساسة، وفي تواطؤ المنتفعين. حين يصبح الوطن رهناً لطموح الفرد، ولصفقات اللحظة، يصبح الدم هو الثمن.

    أستاذ أحمد، مقالك اليوم ليس مجرد مقال صحفي، *بل هو وثيقة للتاريخ ضد كل من قوّى هذا الوحش*، أو طبل له وبرره، أو سكت عنه. وسيُكتب في سجل الشرف أنك كنت من الصادحين بالحق في زمن تكميم الأفواه وتزييف الوعي.

    هذا هو دور الصحافة التي نحترم: أن تكون ضميراً لا بوقاً، وحارساً لا متكسباً. أن تقول “لا” حين يكون ثمن “نعم” هو وطن كامل.

    نسأل الله أن يحقن دماء أهل السودان، وأن يهيئ لهذا البلد أمر رشدا، وأن يجعل ما أصابنا كفارة، وما كتبته أنت شاهداً لك لا عليك.

    “*ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله*”.. وقد وضعتَ نفسك في موضع الصادقين الناصحين، فجزاك الله عن السودان وأهله خير الجزاء.

    أخوك
    الإمام عبد اللطيف الإمام