جمال محمد أحمد… حين يصبح الدبلوماسي ضميرَ وطنٍ وأبًا لجيلٍ كامل

  • بتاريخ : 7 مايو، 2026 - 5:32 م
  • الزيارات : 13
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق

    “محام- كاتب- مستشار قانوني”

    لم يكن الدبلوماسي الشهير جمال محمد أحمد مجرد اسمٍ لامع في سجل الدبلوماسية السودانية، ولا مجرد أديبٍ مرهف الحس أو مفكرٍ واسع الأفق، بل كان نموذجًا إنسانيًا نادرًا استطاع أن يترك أثره في النفوس قبل المؤسسات، وفي الوجدان قبل الأوراق والمناصب.

    فبعض الرجال يمرون عبر المناصب، ثم يرحلون بانتهاء مواقعهم، بينما هناك آخرون يتحولون إلى قيمةٍ أخلاقية ومعنوية تبقى حاضرة في ذاكرة الناس طويلًا. وكان جمال محمد أحمد واحدًا من هؤلاء القلائل الذين تجاوزوا حدود الوظيفة العامة ليصبحوا جزءًا من الوجدان الوطني نفسه.

    وحين كتب بعض من عرفوه عنه، أو تحدث أبناؤه ومحِبّوه، بدا واضحًا أن الرجل لم يكن بالنسبة لكثيرين مجرد مسؤولٍ كبير، بل أبًا معنويًا وصاحب أثرٍ شخصي في حياة أجيالٍ كاملة من السودانيين.
    لقد كان يؤمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات، ولذلك عرفه الدبلوماسيون الشباب أستاذًا وموجهًا قبل أن يعرفوه مسؤولًا كبيرًا. كان يحتفي بالمواهب، ويشجع الكفاءات، ويوزع التقارير المتميزة التي يكتبها صغار الدبلوماسيين على الإدارات المختلفة لتكون نماذج يُحتذى بها في الفكر والتحليل واللغة والرؤية.

    وفي زمنٍ أصبح فيه بعض المسؤولين يخشون نجاح الآخرين أو يضيقون بالكفاءات، كان جمال محمد أحمد يرى في تميز من حوله نجاحًا للمؤسسة والوطن معًا. لم يكن يحتكر الضوء لنفسه، بل كان يفتح الطريق أمام الآخرين ليكبروا بثقة.

    ثم أخذ بعض من عرفوه يروون كيف كان يأتي إلى مكاتبهم أو منازلهم ببساطةٍ مدهشة، يحمل تواضع الكبار ودفء الإنسان الحقيقي. فقد كان يمتلك تلك القدرة النادرة على منح الآخرين احترامًا يشعرهم بقيمتهم الإنسانية والمهنية معًا.

    وتتكرر مثل هذه الحكايات بصورةٍ تكاد تكون لافتة. فهذا دبلوماسي شاب يروي بدهشة كيف أصرّ جمال محمد أحمد أثناء زيارة رسمية على أن يقيم معه في منزله بدل الفندق، ثم جاءه صباحًا يطرق الباب مبتسمًا قائلاً: “يا جبارة، أنا جيت هنا عشان أصحيك ولا إنت تصحيني؟”

    هي مواقف بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف معدن الرجال أكثر من الخطب الرسمية. فقد كان الرجل يرى أن قيمة المسؤول لا تُقاس بمسافةٍ يصنعها بينه وبين الناس، وإنما بقدرته على الاقتراب منهم دون تكلف أو استعلاء.

    لكن جمال محمد أحمد لم يكن دبلوماسيًا فحسب، بل كان مشروع مفكر دولة بالمعنى العميق للكلمة. فقد كانت اهتماماته متعددة ومتداخلة بصورة نادرة؛ جمع بين الأدب والفكر والسياسة والعمل الإداري، وظل منشغلاً بأسئلة الدولة والدستور وبناء المؤسسات، وبكيفية إقامة حكمٍ رشيد يقوم على أسسٍ أخلاقية وفكرية متينة.

    ولعل هذا الجانب الفكري العميق لا يعرفه كثيرون بالقدر الكافي. فقد قام بترجمة الأوراق الفيدرالية، وهي النصوص المؤسسة التي واكبت نشأة الدستور الأمريكي وأسهمت في صياغة فلسفته السياسية والدستورية خلال سنوات التأسيس الأولى للولايات المتحدة.

    غير أن اهتمامه بهذا العمل لم يكن مجرد ترجمة أكاديمية معزولة، بل كان نابعًا من رؤية أوسع تتعلق بفهم التجارب الدستورية الكبرى باعتبارها خبراتٍ إنسانية وسياسية حيّة، لا نصوصًا جامدة تُنقل حرفيًا من مجتمعٍ إلى آخر.

    فقد كان جمال يدرك أن الأمم لا تُبنى بالشعارات، وإنما ببناء مؤسساتٍ متوازنة تحدّ من تغوّل السلطة، وتحمي التعدد، وتؤسس لعلاقةٍ صحية بين الحرية والمسؤولية والقانون.
    وربما كان أكثر ما يشدّه في تجربة “الأوراق الفيدرالية” ذلك الوعي المبكر بخطورة السلطة المطلقة، وأهمية الفصل بين السلطات، وإقامة نظامٍ يقوم على الرقابة والتوازن وإدارة التنوع والاختلاف داخل إطارٍ وطني جامع. وهي ذات الأسئلة التي لا تزال مطروحة بإلحاحٍ في السودان حتى اليوم.

    ومن هنا تبرز قيمة جمال محمد أحمد كمفكر دولة، لا كمجرد موظف دولة. فقد كان يرى أن الخدمة العامة ليست وظيفةً تُؤدى، وإنما مسؤولية أخلاقية وفكرية. وكان يؤمن أن المسؤول الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد منفّذٍ للتوجيهات، بل صاحب رأي وضمير وشجاعة أخلاقية تمكنه من قول كلمة الحق حتى حين تكون مكلفة.

    وقد دفع ثمن تلك القناعات في أكثر من محطة، لكنه ظل متمسكًا بما آمن به، مستندًا إلى تكوينٍ إنساني وثقافي واسع جمع بين صرامة الإداري، ورهافة الأديب، واتساع أفق الدبلوماسي.
    واليوم، بينما تتراجع قيم الخدمة المدنية، وتتآكل فكرة الدولة لصالح الولاءات الضيقة والمصالح العابرة، يعود الحديث عن جمال محمد أحمد لا باعتباره حنينًا إلى الماضي، وإنما باعتباره حاجةً أخلاقية وفكرية ملحّة.
    فإرثه الحقيقي لا يكمن في المناصب التي شغلها، ولا في الألقاب التي حملها، وإنما في الفكرة التي عاش من أجلها:
    أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن الدولة العادلة لا تقوم إلا على المعرفة، والنزاهة، والشجاعة الأخلاقية، واحترام كرامة الناس.

    ولهذا لم يكن غريبًا أن يشعر كثيرون، حتى بعد رحيله بسنوات طويلة، أن جمال محمد أحمد لم يكن مجرد دبلوماسي كبير أو أديب مرموق، بل كان نموذجًا نادرًا لرجل الدولة الذي جمع بين الفكر والإنسانية والضمير الوطني.