بقلم: حاتم السر علي المحامي
“وزير، ومرشح سابق للرئاسة”
ثلاث سنوات. ألف يوم وأكثر من الدم والنزوح والخراب. ألف يوم من حوار الطرشان الذي لم يُسمع فيه أحدٌ أحداً. ألف يوم كان فيها السودان يُناقَش في كل عاصمة إلا في عاصمته. واليوم، أخيراً، يقول رئيس الوزراء البروفيسور كامل ادريس كلمتين كان الشعب ينتظرهما منذ أبريل 2023: *حوار وطني شامل*، *وانتخابات حرة.*
لن أبالغ في التفاؤل، فنحن شعبٌ علّمته التجارب أن المسافة بين التصريح والتنفيذ قد تكون أطول من المسافة بين بورتسودان وكتم. لكنني لن أسمح لنفسي بالتشاؤم أيضاً، لأن السياسة – تلك الغائبة الكبرى عن مشهدنا – لا تعود إلا حين يفتح لها أحدٌ الباب. ورئيس الوزراء فتح الباب. والسؤال الآن: من يملك الشجاعة ليدخل؟
ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من البيانات ولا مزيداً من المؤتمرات في فنادق أوروبية فاخرة يختار منظموها من يحضر ومن يُقصى. ما يحتاجه السودان هو شيء أبسط وأعمق: إحياء الأشياء. إحياء القانون الذي صار حبراً على ورق. إحياء السياسة التي تحولت إلى سباب متبادل على منصات التواصل. إحياء السيادة التي باتت كلمة تُستخدم في الخطابات وتُنتهك في الممارسة.
أقولها بوضوح: نحن لا نعاني فقط من حرب. نحن نعاني من غياب السياسة. الحرب هي النتيجة، لكن السبب هو أننا أضعنا فرص الحوار وفشلنا في فن إدارة الاختلاف. تحوّل كل خلاف سياسي إلى صراع وجودي. أصبح كل طرف يرى في الآخر عدواً يُراد إفناؤه لا خصماً يُمكن التفاهم معه. هذا ليس سياسة. هذا حرب بأدوات أخرى قبل أن تصبح حرباً بالسلاح.
حين يقول رئيس الوزراء “حوار لا يُقصي أحداً”، فهو يعيد الاعتبار لمبدأ أساسي: أن الشرعية لا تُنتزع بالسلاح ولا تُمنح في المؤتمرات الدولية، بل تُستمد من صناديق الاقتراع. هذا المبدأ ليس اختراعاً جديداً في السودان. حزبنا – الحزب الاتحادي الديمقراطي – جرّبه ثلاث مرات: في 1956 حين قاد السودان إلى الاستقلال عبر البرلمان لا عبر البندقية، وفي 1968 حين عاد للحكم بأصوات الناخبين، وفي 1986 حين شارك في آخر حكومة ديمقراطية قبل أن يُجهضها الانقلاب في 30 يونيو 89. في كل مرة كان الطريق واحداً: الشعب يختار. لا وصاية ولا إقصاء ولا قوائم مُعدّة سلفاً.
لكن الحوار وحده لا يكفي إن لم يصحبه مشروع لبناء ثقافة وطنية متجذرة. ثقافة تقول إن السوداني في دارفور والسوداني في الشمال والسوداني في الشرق مواطنون متساوون لا رعايا لزعيم قبيلة أو أمير حرب. ثقافة ترى في التنوع ثروة لا تهديداً. ثقافة تحترم المؤسسات ولا تُخضعها للأشخاص. هذا البناء الثقافي هو الأساس الذي بدونه ينهار أي حوار وتتحول أي انتخابات إلى مجرد محطة قبل الانقلاب التالي.
أما حوار الطرشان – ذلك الحوار الذي يتكلم فيه الجميع ولا يسمع أحد – فقد جرّبناه حتى الثمالة. مؤتمرات في باريس ولندن وبرلين، ومنصات، ووثائق ومسودات ونداءات مشتركة، ومليارات الدولارات المطلوبة لا يصل منها للمواطن إلا الفتات. هذا ليس حواراً. هذا مسرح.
الحوار الحقيقي يبدأ حين يجلس السودانيون مع بعضهم البعض – في الخرطوم أو بورتسودان أو أي مدينة سودانية – ويتحدثون بلغتهم عن مشاكلهم ويبحثون عن حلولهم. ليس بوصفة مستوردة ولا بوصاية خارجية ولا بانتقائية تختار من السودانيين من يستحق أن يُسمع صوته ومن لا يستحق.
أخيراً، هناك حوار. وأخيراً هناك حديث عن انتخابات. لا نريد أن تكون هذه مجرد كلمات أخرى تضاف إلى رصيد الوعود. نريد تفاصيل. نريد جدولاً زمنياً. نريد ضمانات. ونريد قبل كل ذلك إرادة حقيقية لإعادة السياسة إلى السودان – السياسة بمعناها النبيل: فن الممكن، لا حرب الكل ضد الكل.
السودان يستحق أن يُحكم بالقانون لا بالرصاص. ويستحق أن يختار حكّامه بالصناديق لا بالدبابات. هذا ليس حلماً. هذا حقنا الذي سُرق منا ثلاث مرات. وحان وقت استرداده.
*الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦*











إرسال تعليق