تعقيب على مقال: “بين رهانات الميدان ومآلات السياسة”
بقلم/ الطيب مضوي شيقوق
“محامي- مستشار قانوني”
الابنة الدكتورة وعد علي الرضي…
تحية تقدير لما خطّه قلمك من رؤيةٍ تتسم بالوعي والجرأة، وتحاول—بصدقٍ واضح—أن تجسر الهوة بين “حرارة النوايا” و”برودة الواقع”، وهي معادلةٌ طالما أرهقت العقل السياسي السوداني.
غير أنّ ما طرحته من “مفاتيح إجرائية”، على وجاهته النظرية، يظل بحاجة إلى مزيدٍ من التحرير حين يُعرض على محك التجربة السودانية المعقّدة.
أولاً،
حديثك عن “التعادل الصفري” بوصفه مدخلاً لفرض التفاوض يفترض ضمناً أن الأطراف قد بلغت بالفعل “نقطة الإنهاك المتبادل”، وهي فرضية لا تزال—في تقديري—محل شك. فالتاريخ السياسي، لا سيما في بيئات النزاع المفتوح، يُظهر أن كثيراً من الفاعلين يفضّلون “إطالة أمد اللايقين” على القبول بتسويات يرون فيها تقليصاً لنفوذهم. ومن هنا، فإن “هندسة المخرج الآمن” لا تكفي ما لم تُسبق بإعادة تشكيل كلفة الاستمرار في الحرب بصورةٍ قسرية، لا طوعية.
ثانياً،
طرحتِ مفهوم “بناء الثقة الوظيفية” عبر الملفات التكنوقراطية، وهو طرح ذكي، لكنه يصطدم بسؤالٍ جوهري: هل يمكن فصل “التقني” عن “السياسي” في سياقٍ مُسيّس حتى النخاع؟
فتح الممرات الإنسانية، وتأمين الإنتاج، ليست ملفات محايدة، بل أدوات نفوذ بحد ذاتها. وبالتالي، فإن نجاح هذا المسار يتطلب—قبل أي شيء—إطاراً ضابطاً يمنع تحويل هذه الملفات إلى أوراق ضغط، وهو أمر لا يتحقق بمجرد حسن النوايا.
ثالثاً،
أما ما ذهبتِ إليه بشأن “تحييد المؤسسات” عبر المهنية الصارمة، فهو من حيث المبدأ حجر الزاوية في بناء الدولة. لكن الإشكال ليس في الفكرة، بل في آلية الانتقال إليها. فالمؤسسات التي تَغلغلت فيها الأيديولوجيا لعقود لا تُستعاد بقرارٍ إداري، بل عبر مسارٍ طويل من إعادة التأسيس، يتضمن—بالضرورة—صراعاً سياسياً وقانونياً قد يكون أشد تعقيداً من الصراع القائم ذاته.
رابعاً،
حديثك عن “آلية المراقبة والجزاء” يعيدنا إلى المعضلة القديمة: من يراقب من؟
فالقوى الدولية، التي يُعوّل عليها في فرض الالتزام، ليست كياناتٍ محايدة، بل تحكمها مصالحها الخاصة. والتجربة السودانية—وغيرها—تُظهر أن “الضمانات الدولية” كثيراً ما تكون انتقائية في التطبيق، مما يُضعف فاعليتها كمصدرٍ للثقة.
خلاصة القول،
إن ما قدمتِه ليس مجرد “مفاتيح”، بل هو محاولة جادة لصياغة لغةٍ جديدة في التفكير السياسي، لغةٍ تحاول أن تُنزِل القيم من سماء التنظير إلى أرض الإجراء. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة هذه المفاتيح، بل في الإجابة عن سؤالٍ أكثر قسوة:
كيف نُجبر الواقع على أن يستجيب لها؟
ذلك هو السؤال الذي يظل مفتوحاً، لا ينتقص من قيمة طرحك، بل يمنحه—على العكس—مشروعيته الكاملة، باعتباره بداية نقاشٍ لا نهايته.
دمتِ حريصةً على أن يكون الفكر جسراً لا جداراً… ففي مثل هذا الحرص تبدأ ملامح العبور.
أطيب الاماني











إرسال تعليق