بقلم : امين الجاك عامر المحامي
“محامي- مستشار قانوني”
بعد صلاة الصبح، راودتني رغبة بسيطة: فنجان قهوة في الهواء الطلق، ومعه قليلٌ من البخور يتمايل مع النسيم.لكن هذا الحلم الصغير يصطدم بواقعٍ حديث؛ أجهزة الاستشعار في البناية، المصمّمة بأدقّ معايير السلامة، لا تتسامح مع أي خيط دخان، فتُطلق إنذارًا يوقظ المكان ويُربك الساكنين. عندها آثرت أن أؤجل الرغبة، وأستبدلها بلحظة صفاء مع صوت الفن.
اخترت كلمات الشاعر حسبو سليمان، بصوت الفنان القامة سيد خليفة، في رائعته ما كنت بفتكر الجميل.
ومع انسياب اللحن:
والله لو زارتني حور
نعسانة تسبح بالعطور…
والله لو طلقوا البخور
من الصباح حتى السحور…
أنا غيرك إنت محال أدور…
أدركت أن البخور ليس مجرد عطر، بل ذاكرة حيّة؛ رائحة تعلّق في الذهن، تردّك إلى البيت، إلى الأم، إلى دفءٍ لا يُشترى.
في السودان، البخور عادة ضاربة في الجذور؛ لا يكاد يخلو منه بيت، ولا تكتمل مناسبة بدونه. في الصباح، تمرّ ربة المنزل تُبخّر الغرف، فتتسلل الرائحة إلى الستائر والملابس، كأنها توقّع حضورها في المكان. وفي المساء،ومع هدوء اللحظات،تُشعل “البَخْرة”، ويجتمع الأهل في دفءٍ تتصاعد فيه الذكريات مع الدخان.
أتذكر جدّتي لأمي، في غرفتها الطينية؛ تنظفها بعناية، تسوّي أرضها، ترشّها بالماء، ثم تُحكم إغلاقها وتبخّرها، فتتحول إلى ملاذٍ باردٍ عطِر، يبعث في النفس راحةً وسكينة.
وأتذكر صباحاتي القديمة في المكتب؛ أبدأ يومي بـ“بسم الله يا فتّاح يا عليم يا رزّاق يا كريم”، مع فنجان قهوة من بائعة الشاي، وقليلٍ من البخور في مبخرٍ صغير.
وفي الأفراح، للبخور مقامٌ خاص؛ العروس تُبخَّر أيامًا قبل زفافها فيما يُعرف بـ“الدخان”، حتى تتشرّب بشرتها وملابسها العطر، ويغدو حضورها مختلفًا لا يُنسى. وحين يحضر الضيوف، يكون البخور أول ما يُقدَّم بعد السلام، علامة ترحيبٍ وكرم.
هكذا يظل البخور أكثر من رائحة… إنه حنينٌ يُشعل في القلب ذاكرة المكان والزمان











إرسال تعليق