بقلم / الباشمهندس الإمام عبد اللطيف الإمام
“وزير التخطيط العمراني بولاية سنار الأسبق”
في مقاله الموسوم بـ “منصّات التواصل… برلمان لا يمكن إغلاقه”، يضع المستشار القانوني الطيب مضوي شيقوق يده على حقيقةٍ باتت من مسلّمات عصرنا: أن المجال العام لم يعد حكرًا على القاعات الرسمية، بل انتقل إلى فضاءٍ أوسع، أكثر انفتاحًا، وأشد تأثيرًا.
غير أنني، مع اتفاقي مع جوهر الطرح، أرى أن هذا “البرلمان المفتوح” يحمل في طياته فرصةً بقدر ما يحمل من تحديات. فكما أتاح للناس أن يتكلموا بلا وسيط، أتاح كذلك للفوضى أن تتسلل، وللشائعات أن تنتشر، وللرأي غير المؤسس أن يزاحم الرأي الرشيد. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: ليست في وجود المنصّة، بل في نوعية الخطاب الذي يُنتَج داخلها.
إن الديمقراطية اللحظية التي أشار إليها الكاتب، إن لم تُسند بثقافةٍ راسخة في التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والتمييز بين المعلومة والرأي، فإنها قد تتحول من أداة وعي إلى أداة تضليل. فليس كل ما يُقال حقًا، وليس كل ما ينتشر يعكس ضمير المجتمع.
ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نواجه به هذا الواقع هو محاولة كبحه أو مصادرته. فالتاريخ أثبت أن الصوت إذا لم يجد منفذًا مشروعًا، بحث عن مسارات أكثر حدةً وأقل انضباطًا. ولذلك، فإن الحكمة ليست في إسكات هذا “البرلمان”، بل في الارتقاء به.
إن المسؤولية هنا مشتركة:
• مسؤولية الدولة في أن تصغي لا أن تُصنّف،
• ومسؤولية النخب في أن تُرشد لا أن تحتكر،
• ومسؤولية الأفراد في أن يتحرّوا الصدق قبل النشر، والعقل قبل الانفعال.
لقد أصاب الكاتب حين أشار إلى أن تخوين النقد هو أحد أخطر أشكال الخلط السياسي، لأن الدولة القوية لا تخشى الكلمة، بل تخشى غيابها. فالصمت ليس استقرارًا، بل قد يكون مؤشراً على احتقانٍ مؤجل.
وأضيف: إن تحويل كل رأيٍ عميق إلى “تنظير” ليس فقط استخفافًا بالفكر، بل هو تجريفٌ بطيء لأساس أي نهضة حقيقية. فالأمم لا تتقدم بالانفعال، وإنما بالأفكار التي تُناقش، وتُمحّص، ثم تتحول إلى سياسات.
وفي ميزان القيم، تظل “المناصحة” التي ختم بها الكاتب هي الضابط الأخلاقي الأسمى لهذا الفضاء المفتوح. فهي ليست مجرد قولٍ صريح، بل قولٌ مسؤول، يُراد به الإصلاح لا الإثارة، والبناء لا الهدم.
ختامًا، يمكن القول إن منصّات التواصل ليست برلمانًا بديلاً، بل مكمّلًا ضاغطًا، يعكس نبض المجتمع، ويكشف مكامن الخلل. والتحدي الحقيقي ليس في وجود هذا الصوت، بل في قدرتنا على تحويله من ضجيجٍ عابر إلى وعيٍ فاعل.
*فالأوطان لا تُبنى بكثرة الأصوات، وإنما بجودة ما يُقال فيها… وكيف يُصغى إليه وكيف يطبق علي ارض الواقع*











إرسال تعليق