بقلم : د. خالد صالح
في اللحظة الحاسمة والزمن بدل الضائع وافق ترامب على الوساطة الباكستانية وفق شروط إيرانية من عشرة بنود ، بعد أن هدد بمسح إيران من الوجود وإعادتها قرون الي الوراء.
في الواقع تم تجميد العمليات العسكرية لأسبوعين ريثما يتم التفاوض على البنود الإيرانية ، وأدعي ترامب الإنتصار ، فيما سادت حالة من الإحتفال والفرح في طهران ، والكل يدعي الإنتصار ، حتي أن أنور قرقاش المستشار الإماراتي غرد قائلاً ، أن الإمارات انتصرت في حرب سعت لتجنبها ، وهو أمر مضحك حقاً ، لكن على كل حال ، دعونا نقرأ معا سياقات الربح والخسارة على ضوء المؤشرات والوساطة الباكستانية.
في تقديرنا أن ترامب لم يحقق أيا من أهدافه التي من أجلها أشعل الحرب ، لم يغير نظام طهران ولكنه غيب المرشد على خامنئي ، لم يقض على المارد الإيراني في حرب خاطفة ، تستغرق أربعة أيام فقط ، ولكنه تورط في حرب طويلة الأمد استنفزفت المخزون العسكري والخزانة الأمريكية ، وفقد كثيراً من الجنود ودفع ثمناً باهظا للصورة الذهنية الأمريكية في عقول سكان العالم ، فقد ضاعت الهيبة الأمريكية وسط صمود طهران ومن خلال الضربات الموجعة للقواعد العسكرية الأمريكية السبعة في السعودية ودول الخليج.
الخسارة الأكبر لترامب هي خيبة أمل الناخب الأمريكي فيه واعتقاده أن هذا رئيس أرعن واحمق ولكن يحقق تطلعات الشعب الأمريكي في تحسين الوضع الاقتصادي ورفع المستوي المعيشي وخفض الدين العام ومعالجة قضية العطالة.
النخب الأمريكية لديها رؤية أخري، أن ترامب يتعامل مع الأمريكان وكأنه ملك ، لا يحترم أحدا ويسخر من الجميع حتي الرؤساء والحكام الزائرين لواشنطون وبالتالي فهو يهدد الحياة الديمقراطية في بلد ، طالما رفع شعارات الديمقراطية والحكم الليبرالي. وهذا ربما يؤدي إلى عزل ترامب من منصبه قبل إكتمال ولايته ، خاصة وأنه همش الكونغرس الأميركي لدي إعلان الحرب ولم يضع له اعتباراً، بالرغم أن القرارات الكبرى المتعلقة بالحروب لابد أن يصادف عليها الكونغرس.
هذا بالنسبة لترامب ، أما بالنسبة لنتنياهو ، الذي أقنع ترامب بضرورة خوض حرب الحرب الخاطفة ضد إيران، فهو لم يحقق أهدافه أيضا بإزالة إيران من الوجود وبالتالي زوال الخطر الإيراني علي اسرائيل ، بالعكس كانت هذه الحرب ، فرصة قدمت لطهران على طبق من ذهب للنيل من إسرائيل بضربات موجعة والإنتقام لازرعها في المنطقة حزب الله وحركة حماس ، اللتين حاولت إسرائيل في الفترة الماضية القضاء عليهما من خلال إغتيال القيادات وتدمير البني التحتية وتجويع المواطنين وتهجيرهم، كانت تل أبيب ترى أن قصقصة الأجنحة الإيرانية في المنطقة مقدمة مهمة للهجوم على طهران وهزيمتها ، لكن طهران فاجأت الجميع بضربات موجعة للكيان الصهيوني وأجبرت الإسرائيليين على الاختباء تحت الأرض مدة طويلة جداً، وهجرت بعضهم الآخر من شمال إسرائيل ، وغادر آخرون إسرائيل ذاتها نحو أوروبا، هذا فضلا عن قصف القواعد العسكرية والمصانع والبني التحتية ، بشكل نال من الادعاء الإسرائيلي بأنه أقوي جيش في المنطقة ، لقد بددت إيران هذا الادعاء للأبد وأثبتت للعالم أن الجيش الإسرائيلي عاديا وأن قبته الحديدية مثقوبة وأن هزيمة إسرائيل ممكنة جدا.
نعم ستصمت المسيرات والصواريخ الفرط صوتية الي حين ، لكن يبقي التهديد الإيراني لتل أبيب قائما، طالما أن الصواريخ البالستية ما زالت تعمل، وطالما أن طهران لا زالت تملك قوتها النووية ووقودها المخصب.
بالنسبة لطهران ، فهي لم تنتصر بشكل كامل ، ولكنها فرضت احترامها على الجميع بصمودها وعدم ازعانها لأي شروط مذلة، فقدت المرشد العام وكثير من البني التحتية، لكنها تخرج من هذه الحرب مرفوعة الرأس ، بعد أن كسرت شوكة ترامب ونتنياهو وجعلتهما أضحوكة في العالم.
إدارات طهران الحرب بعقل جمعي ذكي ولعبت على عدة أوراق واربكت حسابات الدول العواصم وربحت سيطرة تامة على مضيق هرمز سيكون لها أثرها على أمن المنطقة مستقبلاً وستنعكس على اقتصادياتها، لقد أحدثت تغييرا جيوسياسيا خطيراً.
ضربها ونيلها من القواعد الأمريكية، ربما يجبر الأمريكيين على سحب قواعدهم من الخليج ، إذ لم يعد لها جدوي في ظل سيطرة إيران على مضيق هرمز ، المهم جداً أن إيران دقت آسفين في العلاقة بين أمريكا ودول الخليج ، هذه العلاقة لم تعد هي ذات العلاقة قبل حرب مضيق هرمز ، لم تعد دول الخليج تثق في واشنطن ولن تكون مستعدة مستقبلاً لدفع دولار واحد لواشنطون تحت زريعة الحماية كما كانت تفعل من قبل . ووارد أن تطلب دول الخليج من أمريكا سحب قواعدها العسكرية في إطار لعبة توازن القوى الجديدة ، التي أصبحت فيها طهران رأس الرمح في المنطقة.
خسرت دول الخليج اقتصادياً من هذه الحرب ، التي كانت هي مسرحها، ستحتاج وقتاً لتعويض ما خسرته اقتصاديا وستحتاج الإمارات بشكل خاص كثيراً من الوقت والمال لإعادة الثقة في أسواقها المالية ومطاراتها ومزاراتها السياحية، لكن أكبر مسكب ستخرج به دول الخليج، أنها ستعيد التفكير ، نعم ستعيد التفكير ، فيما ينبغي عمله لحماية منشآتها النفطية وأمنها الإقليمي ، الذي لم تعد تحميه واشنطن ، ستنشأ تحالفات جديدة ، ولن يكون مدهشا ولادة تحالف إيراني/ سعودي خليجي ، ففي عالم السياسة ليست هناك عداوة دائمة ولا صداقة دائمة وإنما هناك مصالح تفرض نفسها.
اخيرا وفي حالة ازعان الأمريكان لشروط طهران العشرة، وهي شروط خطيرة ووضعت بذكاء شديد ، يكرس لطهران كقوة إقليمية ودولية لها كامل السيطرة على منطقة الخليج، وقتها فقط يمكن القول أن طهران انتصرت انتصارا كاسحا وغير مسبوق.











إرسال تعليق