بقلم / سامح المحاريق
في مقتبل حياتي المهنية تلقيت نصيحة من أحد المسؤولين على حافة التقاعد. حدثني وقتها عن عمرو موسى وبدايته المهنية في وزارة الخارجية وقال إنه كان يحتفظ بمسافة من التحفظ وحتى الجمود من زملائه، فهو كان يدرك مبكرًا أنه سيكون وزيرًا للخارجية، وربما يذهب أبعد من ذلك، وليس من الحكمة أن يحمل نفسه بعلاقات وطيدة كثيرة في هذه المسيرة، ولذلك لم يكن متبسطًا ولم تستهوه الممازحات الصغيرة التي يمكن أن تحمل الزمالة إلى صداقة ربما يدفع ثمنها في وقت لاحق.
لم يدفع موسى أثمانًا صغيرة في طريقه، ولكنه وجد نفسه في مواجهة الأثمان الكبيرة في وقت لاحق، وهكذا هي الحياة، لا تؤجل فواتيرها ولا تمنح أي أحد خصمًا منها.
الطموح الذي حمله موسى كان مبررًا بحكم انتمائه الطبقي وخلفيته الاجتماعية، فهو مثال نموذجي ومكتمل لأعيان الريف، أو الأعيان السوبر الذين يجدون في القاهرة مجرد محطة لآفاق أوسع وهي التي تشكل غاية الطلب ومنتهى الأرب لغيرهم من الفئات الأدنى في ذلك العالم المنغلق على ذاته في دلتا النيل، فلا يطول بلح القاهرة ولا عنب الإسكندرية!
في مذكراته تُذكر كلمة المسرح كمكان فعل ثقافي ترفيهي، وكمجاز سياسي، ثلاثًا وثلاثين مرةً، ويدلل ذلك على رؤية موسى للشأن السياسي بوصفه عرضًا واستعراضًا
والده محمود أبو زيد موسى كان عضوًا في مجلس النواب، وكان ارتحل للدراسة في فرنسا في الثلاثينيات من القرن الماضي، وتزوج وأنجب هناك ابنه بيير الذي لم يتعرف عليه عمرو إلا بعدها بعقود من الزمن، فالأب بقي محتفظًا بالابن الذي تركه وراءه في فرنسا لسنوات طويلة، ومع أن عمرو يبحث عن أخيه في وقت لاحق من حياته ويقابله، إلا أنه يكتفي بأن يبقيه هو الآخر في المسافة الآمنة التي صنعها مع الجميع.
بقيت وزارة الخارجية المصرية مؤسسة مهيبة، خاصة بعد أن احتلت البرج الشاهق المطل على النيل، وكانت من أكثر المؤسسات احتفاظًا باستقلاليتها، ولأبنائها حصانة خاصة داخل منظومة الحكم، فهو أبناء الصفوة المفضلين، وعادةً ما يكون طريقهم للصعود الاجتماعي ممهدًا بأكثر مما هو متاح لمنافسيهم في المؤسسات الأمنية والقضائية، ولكنهم في المقابل غير معروفين لعامة الناس، فموظف كبير في حي الخليفة بالقاهرة القديمة يعرفه الناس ويتملقون له بأكثر من السكرتير الأول في السفارة المصرية في باريس.
يأتي عمرو موسى بوصوله إلى وزارة الخارجية في مايو 1991 ليكسر هذه القاعدة، ويؤدي دورًا في استعادة وزارة الخارجية نفسها بعد الضرر الذي لحقها في قصر الرئاسة منذ مواقف وزرائها التي ناهضت اتفاقية كامب ديفيد بالطريقة التي أنجزها الرئيس محمد أنور السادات، والحقيقة أن مصر كانت تعيش عصرًا ذهبيًا في ذلك الوقت، فالخليجيون ينظرون لها بكثير من التقدير بعد الدور الذي قدمته في تحرير الكويت، والأوضاع الاقتصادية أخذت منحىً ايجابيًا بعد شطب جزء كبير من ديونها نتيجة لذلك، والعالم ينظر لها بوصفها شريكًا في صياغة شرق أوسط جديد كانت أسئلته المبكرة تطرح من خلالها في تلك المرحلة المبكرة من تسعينيات القرن الماضي.
وفي انتفاضة الأقصى يقدم المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم أغنيته أنا بكره إسرائيل، وللمرة الأولى، يكون ثمة اسم لرجل دولة يجاور اسم الرئيس، عمرو موسى وكلامه الموزون
لم يقتصر ظهور عمرو موسى عند الأدوار التقليدية لوزير خارجية بلدٍ إقليمي كبير ومؤثر، فالقدر كان يحمل له الكثير، لأن التفاوض تحت الأضواء الساطعة في مدريد لا ينتج شيئًا فيندفع ياسر عرفات إلى الأبواب الخلفية في أوسلو، ويعود ليلقي أوراقه في القاهرة، خاصةً وأن عمان وغيرها من العواصم العربية شعرت بدرجات متباينة من الخيبة والخديعة تجاه مساره الالتفافي، وفي ذلك الوقت يظهر عمرو موسى في الترتيبات التي حملت عرفات إلى غزة ومنها إلى رام الله، وبدأ الوزير يظهر كثيرًا ليشرح ويجادل ويحضر المسرح للرجل الكبير محمد حسني مبارك الذي كان يريد لظهوره أن يكون رعائيًا أو أبويًا.
في مذكراته التي استوحى تسميتها من القرآن الكريم (كتابيه) تٌذكر كلمة المسرح كمكان فعل ثقافي ترفيهي، وكمجاز سياسي، ثلاثًا وثلاثين مرةً، ويدلل ذلك على رؤية موسى للشأن السياسي بوصفه عرضًا واستعراضًا ليتمسك بأداء منضبط مع نبرات انفعالية تمنحه نكهته الشخصية وتجعله ينطبع في أذهان المتابعين، فهو ليس مجرد ناطقٍ رسمي، ولا هو زعيم سياسي، ولكنه رجل مميز يعرف أنه يحصل على فرصة محدودة للارتجال وعليه أن يستغلها إلى آخرها.
في أروقة الجامعة العربية، ناور بين الوظيفي والسياسي، وأبدت بعض الدول العربية انزعاجها من أدائه وطالبته بأن يتذكر أنه مجرد موظف، ولكن موسى حاول كثيرًا أن يتناسى ذلك
على الجانب الآخر من المسرحية كان مجموعة من الرجال الذين يشعرون بأنهم يمارسون انتحارًا تراجيديًا بين الجموع التي صوتت لصلب السيد المسيح وكان رابين أحدهم، ولكنه يغادر المسرحية مبكرًا برصاصات أحد المتطرفين الذين أصبحوا مع الوقت الصوت الأعلى في إسرائيل، وأخذوا يقوضون فكرة الدولة الفلسطينية ومشروعها الذي تطلع له المصريون ليثبتوا أنهم أصحاب الرؤية الصائبة، وأن من نبذوهم بعد السلام كانوا الطرف الخاسر من التاريخ.
التصعيد أتاح لعمرو موسى فرصة أن يصعد في خطابه، وأن يستحوذ على مزيد من الإضاءة على خشبة المسرح السياسي في بلاده وخارجها، ولقي ذلك هوىً لدى المصريين وفي انتفاضة الأقصى يقدم المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم أغنيته أنا بكره إسرائيل، وللمرة الأولى، يكون ثمة اسم لرجل دولة يجاور اسم الرئيس، عمرو موسى وكلامه الموزون، بجانب مبارك وعقله الكبير، حتى عبد الحكيم عامر لم يحصل على ذلك.
هل يمكن أن للأغنية وتصاعد شعبية عمرو موسى دورها في إقالته من وزارة الخارجية؟
لا أحد يعرف ما الذي كان يجري في مصر وقتها، وكيف كانت الحسابات تدار في الغرف المغلقة، صحيح أن موسى كان قضى عقدًا كاملًا في وزارة الخارجية، ويأتي في المرتبة الثانية من حيث الأكثر بقاءً في المنصب بعد محمود فوزي الذي تولى الخارجية بعد ثورة يوليو، إلا أن جمال مبارك وفي بدايات مشروعه للتوريث كان يسعى للعمل على بناء جيل جديد يخصه ويتلقى تعليماته، ولم يكن عمرو موسى مناسبًا للدخول في حلقة الوريث أو مشروعه، ومثل غيره من وزراء الخارجية المصريين أتت الركلة إلى أعلى مع توليه منصب أمين عام جامعة الدول العربية، وتصبح شعبية عمرو موسى مشكلة عربية بعد أن بدأت تصبح مشكلة مصرية.
كان سياسيًا يعرف كيف يستخدم الشوكة والسكين، ولكن ليس من أين يؤكل الكتف خاصة عندما يتزاحم الآخرون حول المائدة
عادة ما يحتفظ الأمناء العامون بنبرة خجولة ومتحفظة في وسط التنازعات العربية، يقتربون من السكرتارية التنفيذية بأكثر من الفعالية السياسية، ولكن عمرو موسى كان محملًا بمكانة واسعة جعلته يتجاوز دوره كدبلوماسي ولكنها لم تحمل الزخم الكافي لتحوله إلى لاعب سياسي، وفي ضوء هذه المعادلة، يعتلي الحبل المشدود للجامعة العربية، ويدخل في معارك جعلته هو شخصيًا في محل الخصومة والتنازع مع رئيس عربي أو آخر.
هذه النمطية لم تكن معتادةً في أروقة الجامعة العربية، وجعلته يناور بين الوظيفي والسياسي، وأبدت بعض الدول العربية انزعاجها من أدائه وطالبته بأن يتذكر أنه مجرد موظف، ولكن موسى حاول كثيرًا أن يتناسى ذلك، خاصة أن الرئيس مبارك وبعد إقصائه من الخارجية المصرية رأى أن يجعله يشتبك وحيدًا ويخلع شوكه بيديه، فلم يقدم له الدعم الذي يحتاجه في مواقف كثيرة، ولم يظهر انزعاجًا من تصرفاته، في الحقيقة، أن مع دخول الربيع العربي لم تكن الشؤون الخارجية المصرية تجد اهتمامًا من الوريث وفريقه لانشغالهم بتمهيد طريقه إلى السلطة.
تأتي عاصفة الربيع العربي لتطيح بمبارك في فبراير 2011، وفي الأفق يلوح محمد البرادعي بوصفه البديل القادم من بعيد، وفي ذلك الوقت تتوجه الأنظار إلى عمرو موسى، فالرجل تمكن من الاحتفاظ بمسافة معقولة من نظام الرئيس مبارك، وكان يحاول دائمًا أن يستثمر حتى أقصى درجة ممكنة ما يمكن أن يفهم من استقلالية وخصوصية داخل المنظومة.
هندسة المسافة لم تسعف موسى، ومع أنه كان يحظى بتوافقات كثيرة داخل المشهد السياسي المصري، إلا أن ذلك لم يجعله رجلًا يمكن أن يبني التحالفات، والهالة الشخصية التي حاوط به نفسه أصبحت عبئًا عليه، وحاجزًا يفصله عن الناس.
بقي موسى الشخص الذي من الجيد أن يحضر، من المستحب تواجده، فرؤيته تعطي شيئًا من الوقار لأي فريق سياسي في زمن كانت صبغته الأساسية هي الاضطراب والفوضى، ويمضي لدخول الانتخابات الرئاسية معتمدًا على نفسه، فالدولة العميقة فضلت أحمد شفيق صاحب الخلفية العسكرية، والإسلاميون أخذتهم شهوة السلطة ليدفعوا بمحمد مرسي، وفي الوسط وجوه أنتجتها الثورة، وجميعهم كانوا في قلب التحالفات، وبقيت هالة عمرو موسى تعيق تقدمه ليحل في المرتبة الخامسة بعد مرسي وشفيق وحمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح، والأربعة لم يكن المصريون يعرفونهم مثل موسى، ولا لهم أغنيات تمجد كلامهم الموزون، ولكنهم السياسة من الأسفل، قريبًا من القاعدة تختلف كثيرًا عن السياسة من الأعلى، وموسى كان سياسيًا يعرف كيف يستخدم الشوكة والسكين، ولكن ليس من أين يؤكل الكتف خاصة عندما يتزاحم الآخرون حول المائدة.
الصدمة التي يتلقاها موسى تدفعه لأن يطرح نفسه من جديد بوصفه حكيمًا لمصر ما بعد الثورة، فهو الكبير والأنيق وسط الصاعدين الجدد وبعضهم لم يتخيل يومًا أن تستضيفه قناة تلفزيونية في برامج المسابقات في الشارع ويجد نفسه بعد الثورة ضيفًا على برامج التوك شو، وآخرون ينتقلون من زنازين أمن الدولة إلى مجلس النواب، وبين ذلك كله، تصبح نظرات وإيماءات موسى التي كانت تلتقطها الكاميرات عالية الجودة للقنوات الفضائية غير مرئية أو مؤثرة وسط زحام الألوان واللحى التي يغمرها الحناء لمنافسيه أو الأزياء العسكرية المزدحمة بالأوسمة والنياشين، وبدت غير مفهومة ولا مستساغة الاستعارات البليغة التي كان يطلقها في أروقة المنظمات الدولية لأن المصريين كان اهتمامهم ينصرف مع الوقت إلى سعر رغيف العيش ووزنه بأكثر من نظريات موسى وحديثه عن الدولة والدستور والديمقراطية.
يضبط عمرو موسى ظهوره على شاشات التلفزيون وفي الندوات العامة ليكرر نفسه الأدبيات التي عاش داخلها معظم حياته، فلا يظهر مبتذلًا مثل بعض السياسيين المتقاعدين، ويبقى بعيدًا عن الناس كما عاش معظم حياته، فكلامه الموزون كان وسيلة لبقائه على الحبل المشدود لوظائفه رفيعة المستوى أكثر مما هو محاولة لإقناع أو احتواء أحد فضلًا عن التحالف أو القتال معه.
يخرج عمرو موسى من القوس الرئيسي للعرض المسرحي ويكتفي بمكان هامشي قريب من الكواليس، ويخفت صوت شعبان عبد الرحيم في الخلفية، وتبقى المسافة التي حملته إلى القمة في عمله الدبلوماسي، هي نفسها التي عزلته عندما احتاجه الناس.
خلاصة إضافية.. لا تصدقوا الأغاني!











إرسال تعليق