الثورة كفعل تأسيسي في بناء الدولة والسيادة والشرعية (1-6)

  • بتاريخ : 7 أبريل، 2026 - 10:50 ص
  • الزيارات : 23
  • حوارات حول الأفكار(203)
    بقلم / حيدرمعتصم مدني

    *مقدمة*:
    ليست الثورة حادثةً عابرة في سجل الزمن، ولا انفجارًا عاطفيًا ضد سلطةٍ قائمة، ولا انتقالًا ميكانيكيًا من حاكم إلى آخر. الثورة في معناها العميق فعلٌ تراكمي يتجاوز الزمان والمكان والشخوص؛ إنها لحظة وعيٍ مفصلية تتكثف فيها تجارب المجتمع وتناقضاته وأسئلته المؤجلة، فينتقل من حالة التلقي التاريخي إلى حالة الإنتاج السياسي الواعي.
    في هذا المعنى، الثورة ليست ملكًا لجيلٍ دون آخر، ولا حزبًا دون غيره، ولا ميدانًا دون سواه؛ إنها تراكمٌ طويل من الإدراك الجمعي بأن الخلل ليس في الأشخاص بل في البنية، وليس في الحكومة بل في شروط تأسيس الدولة نفسها. وحين يبلغ هذا الإدراك مداه، تنبثق لحظةٌ تتجلى فيها الإرادة المجتمعية بوصفها قوةً تأسيسية، لا قوةً احتجاجية فحسب.
    لكن الثورة، بوصفها وعيًا، لا تنفصل عن واقعٍ ماديٍّ وسياسيٍّ تتشكل داخله. فهي في بعدها العملي فعل مقاومةٍ مستمر ضد كل أشكال الهيمنة؛ ضد الاحتلال المباشر، وضد الاستعمار غير المباشر الذي يتجسد في الارتهان السياسي والاقتصادي والثقافي، وضد الاستبداد المدني أو العسكري، وضد كل ادعاءٍ لتمثيل الشعب خارج مرجعيةٍ دستورية نابعة من عقدٍ اجتماعيٍّ جامع.
    إن الثورة، بهذا المعنى المركب، لا تُشرعن الفوضى ولا تُقدّس العنف، ولا تهدف إلى استبدال وصايةٍ بوصاية، بل تسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة على قاعدة الشرعية الدستورية والسيادة الوطنية. وهي لا تعترف بشرعيةٍ تُنتَج خارج الإرادة الحرة للشعب، ولا تقبل بتمثيلٍ يُنتزع بالقوة أو يُصادَر باسم الأيديولوجيا أو يُحتكَر باسم الطائفة أو الجهة أو القبيلة.
    ولأن المجتمع أوسع من لحظة السياسة، فإن الثورة في بعدها القومي تنطلق من إدراكٍ بأن الهوية الجامعة، بكل تنوعاتها الثقافية والدينية واللغوية، ليست عبئًا على الدولة، بل شرطًا لقيامها. فالتنوع الذي أُسيء إدارته تاريخيًا وتحول إلى بؤرة صراع، يمكن أن يصبح مصدر قوة حين يُدرج داخل عقدٍ اجتماعيٍّ يعترف به ويحميه ويُنظّمه في إطار سيادةٍ وطنيةٍ جامعة.
    إن الثورة القومية الوطنية، في السياق السوداني، ليست بحثًا عن سلطة، بل بحثٌ عن دولة. ليست صراعًا بين نخب، بل مسارًا مجتمعيًا لإنتاج عقدٍ يؤسس لمرجعيةٍ دستوريةٍ تعبر عن الشعب السوداني بكل ثقافاته وموروثاته وتجاربه التاريخية. ومن دون هذا العقد، تبقى السلطة عرضةً للاختطاف، وتبقى الشرعية محل نزاع، ويبقى الوطن ساحةً مفتوحةً للتدخل والهيمنة.
    الثورة إذن هي لحظة وعيٍ تفتح طريقًا ممتدًا؛ تبدأ بإدراك الخلل البنيوي، وتستمر بإعادة صياغة السردية الوطنية، وتنتهي بتأسيس دولةٍ تُجسّد السيادة الشعبية في إطارٍ دستوريٍّ متوافق عليه. وفي هذا المسار، لا تكون الأيديولوجيا حاكمةً للوطن، بل متوطنةً فيه؛ ولا تكون الدولة أداةً لفكرةٍ ضيقة، بل إطارًا جامعًا يحتضن تعدد الأفكار في ظل عقدٍ اجتماعيٍّ واضح.
    بهذا الفهم، تغدو الثورة فعلًا تأسيسيًا لا انفعاليًا، ومسارًا تاريخيًا لا لحظةً عابرة، ومشروعًا لبناء الدولة لا مجرد تغييرٍ للحكومة. وهي، في جوهرها، انتقال المجتمع من حالة البحث عن من يحكمه إلى حالة إنتاج القواعد التي يُحكم بها.