سياط الحقد ومهزلة الوصية الأخيرة: حين يُلقّن الأطفال فنون الإعدام النفسي

  • بتاريخ : 6 أبريل، 2026 - 10:28 م
  • الزيارات : 12
  • صفر التراخي || محمد العاقب

     

    ​تتوالى المشاهد الصادمة من مدينة الضعين لتكشف عن وجه كالح يتجاوز حدود الانتهاكات العسكرية ليدخل في نطاق المرض النفسي والسادية الممنهجة. لم يعد الأمر يقتصر على إهانة الكرامة بإجبار المواطنين على محاكاة أصوات الحيوانات في مشهد يندى له جبين الإنسانية بل وصل الانحدار الأخلاقي إلى ذروته في مشهد يجمع بين الطفولة المشوهة والإعدام النفسي للمواطنين العزل.

    ​الوصية الأخيرة.. سخرية من الموت والكرامة
    ​أن يمسك طفل بسوطه بتوجيه مباشر من عنصر في الدعم السريع ليجلد مواطناً مقيد الأيدي من الخلف ثم يسأله بدم بارد: ما هي وصيتك الأخيرة؟ هو تعبير صارخ عن تجرد هؤلاء من كل وازع ديني أو أخلاقي. هذا السؤال الذي لا يُطرح إلا في اللحظات المهيبة بين العبد وربه أصبح أداة للتندر والسخرية بأيدي أطفالٍ لا يدركون قدسية الروح. إنهم لا يجلدون الجسد فحسب بل يذبحون الطمأنينة في نفوس المدنيين ويحولون فكرة الموت إلى نكتة رخيصة يُلقنها مليشي حاقد لطفلٍ غرير في سلوكٍ وحشي يُضاف إلى سجل الجرائم ضد الإنسانية، ويُصنف ضمن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي أدمنت المليشيا ارتكابها.
    ​صناعة الوحش الصغير
    ​هذا الطفل الذي يُؤمر بسؤال الضحية عن وصيتها يتم غسل دماغه ليتحول إلى مشروع سفاح مستقبلي. الدعم السريع هنا لا يجند الأطفال للقتال فقط بل يجندهم للانحلال القيمي لأنه حينما يتعلم الطفل أن سلب حياة إنسان أو إذلال كرامته هو ممارسة للسلطة، فنحن أمام كارثة تربوية ستمتد آثارها لأجيال. لقد تم استبدال القلم بالسوط والنشيد الوطني بأوامر الإذلال في عملية مسخ ممنهجة للطفولة السودانية.
    ​إن سادية المشهد لا تكمن في ألم الجلد بل في تجريد الضحية من حقها في الموت بوقار وتجريد الطفل من حقه في البراءة وأي صلة بآدميته.
    ​الضعين.. ملحمة الصمود ضد المسخ
    ​تلك المشاهد التي حاولت فيها مليشيا الدعم السريع تصوير أهلنا في الضعين وكأنهم قطيع يُساق ويُجبر على (المأمأة)، ارتدت سِهامها إلى صدور فاعليها. لقد أثبتت هذه الفيديوهات للعالم أجمع من هو الحيوان الحقيقي أهو الصابر المحتسب الذي تُنتهك كرامته تحت التهديد؟ أم هو ذاك الذي يتفرج خلف الكاميرا وهو يرى طفلاً يمارس طقوس الإعدام النفسي على رجل في عمر أبيه؟
    ​صرخة للضمير الوطني والعالمي
    ​إن الوصية الأخيرة التي يجب أن تُكتب اليوم هي وصية هذا الشعب بألا تذهب هذه الجرائم سدى. إن ما يحدث هو إبادة معنوية وتدمير للنسيج الاجتماعي عبر توظيف الأطفال في أقذر الأدوار. إن الصمت على تحويل أطفال السودان إلى أدوات تعذيب هو مشاركة في الجريمة.
    ستبقى الضعين عصية على الانكسار وسيذكر التاريخ أن الدعامة حاولوا دفن كرامة المواطن تحت سياط الأطفال، فدفنوا هم ما تبقى من شرعيتهم وأخلاقهم تحت أقدام الحقيقة. أما الوصية الأخيرة للسودانيين، فهي أن الكرامة دينٌ لا يُقضى إلا بالقصاص العادل والتمسك بإنسانيتنا التي حاولوا عبثاً انتزاعها.
    ​البراءة ستنتصر على السوط والإنسان سيبقى.. والدعم السريع إلى مزبلة التاريخ.