هل هناك ما يمنع تشكيل رؤية اقتصادية وتصميم وتنفيذ برنامج اصلاح اقتصادى شامل فى زمن الحرب.؟!!
بقلم / مكي ميرغني عثمان
“وكيل التخطيط السابق بوزارة المالية”
1.علمت ان اللجنة الاقتصادية العليا برئاسة رئيس مجلس الوزراء فى اجتماعها الخميس الموافق 2 ابريل 2026 اصدرت عددا من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف بالبلاد. تعتبر هذه خطوة جيدة فى ظل التطورات والظروف والتحديات التى تمر بها البلاد داخليا وخارجيا خاصة ان أثر الحرب فى الخليج مع ايران طال عدد من الدول من بينها السودان.
2.الوضع الاقتصادى فى السودان أصلا كان يواجه تحديات كبيرة ومعقدة بسبب حرب ال دقلو الارهابية الشمسونية قبل انطلاقة حرب الخليج مؤخرا .لذلك يجب ان لا نستخف بالتداعيات الاقتصادية الاضافية لحرب الخليج الجارية الان خاصة اثرها فى زيادة تكلفة التجارة الخارجية التى تشمل استيراد سلع استراتيجية هامة للسودان كالقمح والنفط ومدخلات الانتاج. فقد وصل سعر برميل الجازولين 1،3 مليون جنيه!! و بدأت صفوف المركبات تعود لمحطات الوقود وصفوف الخبز أمام المخابز مع ارتفاع وتيرة الاسعار. وبدأ اثر ذلك جليا على معاش الناس – الذين افقرتهم الحرب – حيث تساهم تكلفة النقل فى ارتفاع تكلفة السلع خاصة الغذائية والاخرى الإستراتيجية.
3.نتطلع ان تتمدد القرارات الى معالجات جراحية هامة اهمها تحقيق ولاية وزارة المالية على المال العام وتعزيز دور القطاع الخاص وتناغم السياسات المالية والنقدية بالتنسيق مع البنك المركزى بما يشمل تجسير الفجوة بين ما يعرف بسعر الصرف المرن المدار والسعر الموازى واصلاح و احكام الرقابة على القطاع المصرفى وتحقيق متطلبات السلامة المالية و ضمان الودائع المصرفية. بالنسبة لسعر الصرف يجب ان نتجاوز الحلول النمطية السابقة الممثلة فى الاصرار على سعر صرف مدار و الحد من الاستيراد والتشديد على ملاحقة تجار العملة ومتابعة تحصيل عائدات الصادرات. يجب ان لا تشتتت الحكومة مجهوداتها وتهدر وقتها فى ملاحقة تجار العملة فسوق العملة خارج السودان.!! وعليه يجب التقليل من التدخل الادارى للتحكم فى سعر الصرف وتركه لحركة السوق بقدر الامكان بتبنى سياسات مرنة لسعر الصرف لاستعادة التوازن فى سوق النقد الاجنبى مما يحد من نشاط السوق الموازى.
4.علينا هذه المرة اتخاذ حزمة متماسكة ومتكاملة من سياسات اصلاح الاقتصاد. نعم هناك حاجة ماسة لإتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لتامين إستيراد السلع الاستراتيجية وفى نفس الوقت اتخاذ سياسات محفزة للانتاج خاصة الزراعى لتحقيق الامن الغذائي اولا وزيادة الصادرات الزراعية وتنويعها وتصنيعها، والعمل على دعم القطاع الخاص وتقليص مزاحمة القطاع العام له تدريحيا حتى بتمكن من قيادة التنمية بالبلاد.
كما يجب الحد من الاستدانة المباشرة من المصرف المركزى والسعى لاحتواء كافة الاثار السالبة على الاقتصاد السودانى.وعلى الحكومة عمل الكثير على المدى المتوسط والطويل لتحسين بيئة الاستثمار فى السودان وجود قطاع خاص مبادر ومقتدر وفاعل يساعد فى استقطاب الاستثمار الخارجى على المدى المتوسط والطويل .
5.اذا تمت معالجة سعر الصرف بالتحرير المتدرج و انهاء مزاحمة القطاع الخاص مع حزمة السياسات الاقتصادية الاخرى فإن تحويلات المغتربين ستشكل موردا هاما للعملة الاجنبية وقد كانت فى السابق عند استقرار سعر الصرف تتجاوز تدفقات الاستثمار والعون الخارجى. توحيد سعر الصرف يعمل على حفز المغتريين على تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية للدولة ويساعد فى ضبط وتنظيم حصائل الصادر..
6.على الحكومة اتخاذ قرارات واضحة ونافذة فى تخفيض الصرف الحكومى الذى تنامت معدلاته فى السنوات الثلاث الماضية. كما هناك ضرورة لإتخاذ سياسات داعمة للقطاع الزراعى الذى بكل تأكيد سيواجه تحديات كبيرة فى الموسم الزراعى الصيفى القادم منها توفر الوقود والمدخلات والتمويل. ومن الايجابيات ان قرارات اللجنة الاقتصادية العليا شملت حظر الجبايات غير القانونية، مما يصب فى تسهيل حركة السلع والمنتجات الاخرى على الطرق القومية دون عوائق خاصة سلع الصادر، كما ان تطبيق التحصيل الالكترونى من شانه أن يساهم فى وقف هدر الوقت وتسهيل التجارة وتخفيض تكلفتها وتعزيز المنافسة الخارجية للصادرات. كما ان تاسيس وتفعيل كافة إجراءات التجارة الخارجية عبر منصة بلدنا يحقق الحوكمة الاقتصادية ويضفى المزيد من الشفافية ويكبح الفساد.
7.رسالة اخيرة السودانيون العاملون بالخارج يحولون جزءا من مدخراتهم لذويهم لاغراض مقابلة تكلفة المعيشة أو لأغراض الاستثمار الخ. وقد ساهموا فى دعم ذويهم واعاشتهم فى الداخل والخارج وقد شهدت تحويلات العاملين بالخارج تناميا كبيرا فى فترات سابقة كانت فيها السياسات الاقتصادية اكثر استقرار مما ساهم فى فك الاختناقات التى واجهها الاقتصاد فى الثمانينات وبداية التسعينات. بل تصدرت تحويلات العاملين بالخارج تدفقات الاستثمار والعون الخارجى. وقد جنح العاملون بالخارج عند غياب سياسات سعر الصرف المواتية الى اللجوء للتحويل عبر المكاتب الخاصة بعد تعذر التحويل عبر المصارف السودانية بسبب تداعيات سعر الصرف وضعف الثقة فى النظام المصرفى. لا شك استقرار سياسات سعر الصرف وانخفاض معدلات التضخم فى السودان سيعززان من التحويلات عبر المنافذ الرسمية.
خاتمة:
1.خطوة اللجنة العليا الاقتصادية جيدة وحاليا وفى ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية القائمة قد لا نطمح فى أحداث اختراقات كبيرة ومعالجة كل التحديات اذ ان عملية الاصلاح الاقتصادى process وقد تأخذ وقتا لكن الأولوية لتثبيت الاقتصاد ومعالجة معاش الناس باتخاذ سياسات واجراءات قد تكون مؤلمة وصعبة – اسميها جراحية – قد تضع الاقتصاد فى المسار الصحيح وكذلك لا نطمح فى توفير بيئة اقتصادية كاملة للاستثمار و لا معالجة للدين الخارجى ولا تدفقات للمعونات الخارجية. ما ننشده فى برنامج الاصلاح الاسعافى القصير المدى وضوح الرؤيا والاهداف وتعزيز دور القطاع الخاص وايقاف مزاحمته وتحرير سعر الصرف بالانتقال لسعر صرف واقعى ومحفز لتدفقات من العاملين بالخارج وهى التدفقات الوحيدة المتوقعة تحت الظروف الحالية مع عائدات الصادرات بالعملات الاجنبية. وكما اشرت ياتى تحجيم الاستدانة من البنك المركزى وتخفيض العجز المستمر فى الموازنة العامة فى صدر هذه السياسات.
2.ليس هناك ما يمنع تشكيل رؤية اقتصادية وتصميم وتنفيذ برنامج اصلاح اقتصادى شامل فى زمن الحرب أو بعدها.
مكى ميرغنى عثمان – 2 ابريل 2026 -الخرطوم










إرسال تعليق