قراءة قانونية في مقال: «مأزق الجنرال… مطبات سياسية وقانونية أمام البرهان»

  • بتاريخ : 4 أبريل، 2026 - 12:11 م
  • الزيارات : 220
  • بقلم/  الطيب مضوي شيقوق

    “محامي – مستشار قانوني”

    أثار المقال، الذي تفضل به اخي الاستاذ أحمد يوسف التاي، جملة من الإشكالات المتعلقة بالمشروعية الدستورية في السودان، وهي إشكالات مشروعة في سياق أزمة وطنية معقدة، غير أن التحليل القانوني الوارد فيه قام — في تقديري — على افتراض وجود وضع دستوري طبيعي، بينما تعيش البلاد في واقع دستوري استثنائي كامل الأركان.

    وهذا الفرق هو مفتاح الفهم القانوني للمسألة برمتها.

    أولاً: هل ما زالت الوثيقة الدستورية تعمل كنظام دستوري كامل؟

    ينطلق المقال من فرضية أن الوثيقة الدستورية ما تزال الإطار القانوني الحاكم بصورة مكتملة، وأن أي تعديل أو إلغاء لها يجب أن يتم عبر المجلس التشريعي الانتقالي.
    غير أن هذه الفرضية تصطدم بحقيقة موضوعية، وهي أن أحد أهم أركان الوثيقة — أي الشراكة المدنية العسكرية والمؤسسات الانتقالية — قد انهار فعليًا، ثم تعذر تكوين المجلس التشريعي ذاته، قبل اندلاع الحرب وبعدها.

    وفي الفقه الدستوري، عندما تتعطل المؤسسات التي أناط بها الدستور سلطة تعديل نفسه، فإن النص يدخل في حالة ما يسمى:
    الانقطاع الدستوري (Constitutional Breakdown)
    وفي هذه الحالة لا تبقى النصوص مصدرًا وحيدًا للشرعية، بل تنتقل الدولة إلى مرحلة إدارة انتقالية قائمة على ضرورة الحفاظ على كيانها.

    ثانيًا: مبدأ الضرورة الدستورية واستمرارية الدولة

    القاعدة المستقرة في القانون العام أن الدولة لا يجوز أن تتوقف قانونيًا بسبب تعطل الدستور.

    ولهذا نشأ مبدآن أساسيان:
    مبدأ استمرارية الدولة Continuity of the State
    وحالة الضرورة الدستورية Constitutional Necessity
    وهما مبدآن يسمحان للسلطة القائمة باتخاذ ترتيبات مؤقتة لضمان استمرار مؤسسات الدولة إلى حين إعادة بناء الشرعية الدستورية الكاملة.

    وعليه، فإن القول بأن أي ترتيب دستوري جديد يُعد التفافًا على القانون يتجاهل أن القانون نفسه يعترف بحالات الاستثناء حين تصبح النصوص غير قابلة للتطبيق عمليًا.

    ثالثًا: هل يشترط وجود سلطة تشريعية لإنشاء وضع دستوري جديد؟

    من حيث الأصل نعم.
    لكن من حيث الواقع الدستوري الاستثنائي — لا بالضرورة.

    فالتاريخ الدستوري المقارن مليء بحالات نشأت فيها إعلانات دستورية انتقالية قبل قيام المؤسسات التشريعية، بل كانت هذه الإعلانات هي التي مهدت لقيامها لاحقًا.

    أي أن:
    السلطة التأسيسية في الظروف الاستثنائية قد تنشأ مؤقتًا من السلطة القائمة بوصفها حارسًا لكيان الدولة، لا بوصفها بديلًا دائمًا للإرادة الشعبية.

    رابعًا: التناقض المزعوم في الاستناد إلى الوثيقة الدستورية

    افترض مقال الاستاذ التاي أن استمرار بعض الإجراءات وفق الوثيقة الدستورية يمثل تناقضًا مع الرغبة في استبدالها.
    غير أن الفقه الدستوري يعرف ما يسمى:
    الشرعية المتبقية (Residual Legitimacy)

    حيث تستمر بعض النصوص في التطبيق بقدر ما تسمح به الظروف، إلى أن يتم استبدال الإطار الدستوري بالكامل.

    وهذا ليس تناقضًا، بل أسلوب انتقال تدريجي لتجنب الفراغ القانوني. Constitutional Lacuna

    خامسًا: بين الاستحالة القانونية والخلاف السياسي
    التمييز الضروري هنا هو بين أمرين:

    عدم الاتفاق سياسيًا على خطوة ما.
    وعدم جوازها قانونًا.

    فكثير من المسائل التي تبدو محل نزاع سياسي حاد تظل ممكنة قانونيًا ضمن إطار الضرورة الانتقالية، طالما أنها تهدف إلى إعادة تأسيس النظام الدستوري لا تكريسه بصورة دائمة.

    خلاصة

    الأزمة السودانية الراهنة ليست أزمة تفسير نص دستوري، بل أزمة غياب البيئة التي تجعل الدستور قابلًا للحياة أصلًا. وعندما تدخل الدولة مرحلة الانقطاع الدستوري بسبب الحرب وانهيار المؤسسات، فإن البحث عن الحل داخل النصوص وحدها يصبح بحثًا في إطار لم يعد قائمًا فعليًا.
    ومن ثم، فإن أي معالجة قانونية جادة يجب أن تنطلق من سؤال واحد:

    كيف تُستعاد الشرعية الدستورية؟

    لا كيف نُطبّق نصوصًا فقدت شروط تطبيقها؟

    ويبقى السلام الشامل — لا الجدل النصي — هو المدخل الحقيقي لعودة الدستور من كونه وثيقة معلّقة إلى كونه عقدًا اجتماعيًا حيًا.

    ولعل أقرب السوابق المقارنة لما يعيشه السودان حكم المحكمة العليا القبرصية في قضية Ibrahim، حيث أقرت المحكمة أن تعطّل المؤسسات الدستورية يخلق حالة فراغ دستوري (Constitutional Lacuna) تجيز اتخاذ تدابير استثنائية لا بقصد هدم الدستور، بل لإنقاذ قابليته للحياة.
    ثانيًا: قضية باكستان — Federation of Pakistan v. Maulvi Tamizuddin Khan (1955)
    ميلاد “شرعية الضرورة” قضائيًا
    في هذه القضية واجهت المحكمة سؤالًا خطيرًا:
    ماذا يحدث عندما تختفي الجمعية التأسيسية ولا توجد سلطة دستورية قادرة على التشريع؟
    حكم المحكمة
    رأى رئيس المحكمة القاضي محمد منير أن:
    الضرورة قد تجعل ما هو غير مشروع مشروعًا مؤقتًا لحماية الدولة.
    واستند إلى المبدأ الروماني:
    Salus populi suprema lex
    (سلامة الشعب هي القانون الأعلى).

    هذه أول مرة تعتمد فيها محكمة عليا فكرة:

    تجاوز النص مؤقتًا
    بسبب الفراغ المؤسسي.

    وقد سبقت المحكمة الفيدرالية الباكستانية إلى معالجة مأزق مماثل عام 1955 حين اعتبرت أن غياب المؤسسة الدستورية المختصة لا يجوز أن يؤدي إلى شلل الدولة، فاعتمدت مبدأ الضرورة باعتباره أداة لسد الفراغ الدستوري.