لا خلاف على الرؤية… التحدي في الإرادة: قراءة في طرح الاستاذ الطيب شيقوق حول مدخل بناء الدولة في السودان.
بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم
“محافظ بنك السودان المركزي السابق”
في تعقيبه على مقالي المعنون “ثلاثية النجاح الغائبة في السودان: التنمية المستدامة والحوكمة وحسن الإدارة”، يرى الأخ المستشار والكاتب الطيب مضوي شيقوق أن جوهر المشكلة في السودان لا يتمثل في غياب هذه الرؤى الإصلاحية، بل في غياب الدولة القادرة على تنفيذها وضمان استمراريتها. ويؤكد أن السودان يمتلك إرثا مبكرا في مجال الإصلاح الإداري، بل كان من الدول التي خرجت بعد الاستقلال بخبرة مدنية واعية، إلا أن ما تآكل بمرور الزمن هو المؤسسات التي تحفظ هذه المعرفة وتنقلها.
كما يشير إلى أن هذه الركائز الثلاث لا يمكن أن تعمل في غياب دولة مستقرة تقوم على سيادة القانون، في وقت تعاني فيه البلاد من انقطاع الاستمرارية، حيث تبدأ السياسات من الصفر مع كل مرحلة. ويؤكد كذلك أن حسن الإدارة لا يتحقق بالأدوات التقنية وحدها، بل يتطلب بيئة سياسية تحترم المؤسسة وتحصّنها. وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة برامج جديدة، بل في بناء دولة مستقرة ومحايدة تقوم على التراكم المؤسسي والتوافق الوطني، بحيث تصبح التنمية والحوكمة نتائج طبيعية وليست أهدافًا قائمة بذاتها.
من جانبي، انطلق طرحي من منظور اقتصادي بحت، دون التوسع في الجذور التاريخية والأبعاد المؤسسية للمشكلة، ليس إغفالا لها، بل لأن تركيزي كان منصبا على مظاهرها الراهنة أكثر من سياقها التاريخي، مع اتفاقي مع طرح الأستاذ شيقوق حول أهمية تلك الجوانب التي ذكرها. وأقر بأن هذا الطرح يتميز بعمق في تشخيص أساس المشكلة، خاصة في إبراز أن التراكم المؤسسي يمثل الأساس الحقيقي للتنمية.
إن الدعوة إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة وبنائها على أسس محايدة ومستقرة تمثل مدخلًا صحيحا لأي إصلاح حقيقي بلا شك، وهي رؤية تنسجم مع التجارب الدولية التي أثبتت أن استقرار القواعد المؤسسية هو الشرط الأول لتحقيق التنمية المستدامة.
وعليه، فإن مدخل بناء الدولة في السودان يبدأ بتوافق وطني على قواعد مؤسسية ثابتة، يعقبه إعادة بناء مؤسسات محايدة. كما أن الوطن في حاجة إلى إرادة سياسية جمعاء تتجسد في حماية المؤسسات من التسييس، والالتزام بسياسات وخطط طويلة المدى تظل مستقرة رغم تغير الحكومات، بما يضمن الاستمرارية ويعزز الثقة.
الخلاصة أن هذه الإصلاحات لا يمكن أن تنجح دون توافق سياسي يحمي المؤسسات ويضمن استمرارية الدولة. فالرؤية التي طرحها الأستاذ الطيب شيقوق تضع أساسا فكريا عميقا يمكن البناء عليه في صياغة مشروع وطني يعيد للدولة دورها كمظلة جامعة، ويحول الحوكمة والتنمية من شعارات إلى نتائج ملموسة، بل وتمثل مدخلا لمعالجة مختلف القضايا العالقة في السودان. ولا أعتقد أن هناك خلافا حول هذه الرؤية، غير أن التحدي الحقيقي يظل في توافر الإرادة القادرة على تحويلها إلى واقع وتحقيق المنشود على أرض الواقع.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم.











إرسال تعليق