رؤيتي || التاج بشير الجعفري
العالم اليوم يعيش عصر البحوث العلمية المُتقدمة والتكنولوجيا والتطبيقات الذكية التي سيطرت على كافة جوانب حياتنا .. فإذا كان كل ذلك يرتكز على العلم والتكنولوجيا والمعرفة فلماذا لا تهتم الدولة بالتعلبم والمُعلمين؟.
إن ما يحدث للمُعلمين في بلادي لأمر مُحير وغريب!! ..
فقد قبل هؤلاء النفر الكرام (المُعلمون) أن يعيشوا بالكفاف ورغم ضعف مرتباتهم التي تتراوح بين 100 – 160 ألف ج. إلا أنها غالباً تتأخر عن موعد صرفها.
بداية يجب أن نعلم أن مبلغ ال 150 ألف جنيه (في المتوسط) التي يتقاضاها مُعلم مدة خدمته أربعون عاماً لا تكفي مصاريف أربعة أيام لأسرة متوسطة .. فكيف يعيش هذا المُعلم “بقية الشهر” ونتوقع منه أن يؤدي وأجبه ويُركز في ما يقوم به من عمل.
إن توقير المُعلم والإهتمام به ينبغي أن يتصدر أولويات الحكومة لما لهذا الأمر من أهمية قصوى تتعلق بتعليم النشء وإعداد أجيال المستقبل التي ستقود هذه البلاد وتحافظ على ترابها وتصون كرامتها ..
فهل هناك أهم من كل ذلك؟
وحتى نفهم مشكلة رواتب المُعلمين .. دعونا نطرح الأسئلة التالية:-
1) لماذا كل هذا التلكؤ والمُماطلة في تعديل هيكل رواتب المُعلمين ورفع الحد الأدنى لرواتبهم؟ وأين تقف نقابات المُعلمين من كل هذا الذي يحدث؟
2) ما المانع من تعديل هيكل رواتب المُعلمين ومساواتهم برصفائهم في القطاعات الحكومية الأخرى؟.
3) من هو المُتسبب في كل هذا التأخير وما المصلحة المرجوة من كل هذا التأخير غير المُبرر.
4) هل أصبح دور المُعلم – حامل لواء العلم – هامشياً لهذه الدرجة وقد قال فيه الشاعر:
قم للمُعلم وفه التبجيلا .. كاد المُعلم أن يكون رسولا.
لقد استبشر المُعلمون خيراً بإعلان رئيس وزراء حكومة الأمل، دكتور كامل إدريس، في معرض تقديمه لموجهات مُوازنة العام 2026م حينما أعلن عن الزيادة التي ستطرأ على رواتب المُعلمين إبتداء من بداية هذا العام كما جاء في ذلك التصريح، ولكن للأسف لم يرى المُعلمون شيئاً، بل استمرت معاناتهم وهم يتسآلون في حسرة واستغراب عن سبب هذا التجاهل والتغاضي الواضح عن حقهم في الحصول على رواتب مُجزية وعادلة.
إن ما يُعانيه المُعلمون من شظف العيش و ضغوط الأعباء المعيشية المتزايدة أصبح شيئاً لا يُطاق ويُنذر بتفشي المزيد من الممارسات والظواهر السلبية، حيث يضطر بعض المُعلمين للبحث عن مصدر رزق لتوفير الحاجات الأساسية لأسرهم وذلك أثناء اليوم الدراسي، بالإضافة لإنتقالهم للعمل بالمدارس الخاصة بحجة عدم كفاية الراتب الحكومي وهو ما يُهدد بتسرب الكفاءات التعليمية للمدارس الخاصة وهي التي تستقطب التلاميذ القادرين على دفع مبالغ ليس بمقدور السواد الأعظم من التلاميذ دفعها .. الشيء الذي أدى لتفشي ظاهرة ذهاب التلاميذ “لأماكن تعدين الذهب” وترك المدرسة نسبة لتدهور البيئة المدرسية وعزوف بعض المُعلمين في ظل عدم كفاية الراتب.
ينبغي أن ننبه بوضوح إلى أن الإهتمام بالتعلبم وتحسين البيئة المدرسية والتقييم المُنصف والعادل للمُعلمين لهي أمور بالغة الأهمية حيث ترتكز عليها عوامل الإستقرار وبسط الأمن والطمأنينة ومنع الجريمة في المُجتمع وتسود بها القيم الفاضلة والأخلاق الحميدة؛ وهي مُكتسبات لا غنى عنها لأي مُجتمع.
ولذلك لابد من إعادة الهيبة المفقودة للمُعلم حتى نحظى بأجيال مُتعلمة ومُشبعة بالتربية الوطنية السليمة وقادرة عن رسم ملامح المُستقبل ومواجهة التحديات.
إن تبرير المُطالبة بحقوق المُعلمين لا يحتاج لكثير جدل أو نقاش، فقد أصبح راتب المُعلم (مصدر سخرية) مقارنة برواتب الفئات الأخرى، وقد حكى لي أحد المُعلمين (بحسرة) أن أحد تلاميذه، الذي يعمل في أحد الأجهزة النظامية، لم يُصدق أن راتبه يساوي أربعة أضعاف راتب مُعلمه!!!
وهنا نطالب الدولة أن ترصد ميزانية تليق بأهمية التعليم لأنه الأساس إن أردنا إحداث نهضة حقيقية .. فالواقع اليوم يقول أن حصة التعليم والصحة معاً لا تتجاوز 6% من المُوازنة العامة وهو أمر محبط ويحتاج لمراجعة عاجلة.
تبقى أن نشير أننا عندما نتحدث عن إعداد أجيال المستقبل مع الأخذ في الإعتبار ما نلاحظه من تشوهات وممارسات خاطئة أصبحت منتشرة في المُجتمع مثل الفساد والغش التجاري والتطفيف في المكيال والتعامل بالربا وظهور النعرات العنصرية البغيضة وإنتشار خطاب الكراهية وعدم قبول الآخر .. وجميعها تشوهات وسوءات تحتاج للتبصير بخطورتها وإيجاد حلول للتصدي لها .. ولن يتأتى ذلك إلا من خلال التعليم ونشر الثقافة والمعرفة والسمات الأخلاقية الطيبة بين الأجيال الناشئة .. وهو الدور الذي تقوم به المدرسة ويقوده ويُشرف عليه المُعلم الذي نحن بصدد المُطالبة بحقوقه الأساسية في الحصول على راتب يضمن له العيش بكرامة ويمكنه من التركيز على وظيفته التعليمية التي يقوم عليها صلاح المجتمع والأجيال المستقبلية.
ختاماً نأمل من جهات الإختصاص، أن تعكف بشكل عاجل على رفع الحد الأدني لأجور المُعلمين بالقدر الذي يوفر لهم الحياة الكريمة ويضمن إستقرار العملية التعليمية التي تمثل الركيزة الأساسية لبناء المُجتمع وأمنه وإستقراره🔹.
اللهم بلغت فاشهد!
eltag.elgafari@gmail.com
الجمعة 27 مارس 2026









إرسال تعليق