دولة القانون || د. عبد العظيم حسن
المحامي
بحقٍّ استدرك المهندس محمد أمين أبو جديري ما ورد بمقالي الأمس من خلطٍ بين الفترات الانتقالية وما أعقبها من حكومات منتخبة، وذلك منذ أول انتقال بدأ في عام 1953 وحتى الفترة الانتقالية الراهنة الممتدة منذ 2019. واستدراك المهندس أبو جديري في محلّه؛ إذ كان لزاماً التمييز بين طبيعة الفترات الانتقالية، وبين ما تلاها من حكومات منتخبة حكمت بموجب دساتيرانتقالية من جانب، وبذات الوقت فشلت جميعها في إنتاج عقدٍ اجتماعي أو دستور دائم يحظى بتوافق السودانيين من الحانب الآخر.
وبحسب ما فهمت من طرحه، فإنه يلتقي معي في أن المرحلة الانتقالية ينبغي أن تقودها كفاءات مستقلة، غير منتمية لأي حزب أو تحالف أو حركات مسلحة. وقد دفعني هذا الاستدراك إلى التأكيد على أهمية توثيق كيفية اختيار شاغلي المناصب الدستورية خلال الفترة الانتقالية الأخيرة: من الذي اختارهم؟ وكيف جرت عملية الاختيار؟ وهل تعرضت لأي تدخلات؟ فهذه مسائل من حق السودانيين معرفتها، ليس لمجرد الإحاطة، بل لتصحيح مسار تجاربنا الانتقالية المتعثرة.
إن فشل الأحزاب السياسية في إدارة الانتقال يعود إلى سببٍ جوهري؛ فالحزب، بطبيعته، يسعى للوصول إلى السلطة لتنفيذ برنامجه. وعندما يصل حزب أو تحالف إلى السلطة دون تفويض انتخابي، فإن خصومه لا يكتفون بالمعارضة، بل يعملون على إسقاطه، مما يفضي إلى تعثر المرحلة الانتقالية. ويتفاقم ذلك حين تكون الصراعات ذات طابع أيديولوجي أو تأتي بعد نضال طويل لإسقاط أنظمة متجذرة.
وانطلاقاً من ذلك، فإن قيادة الانتقال بواسطة كفاءات مستقلة تظل الخيار الأقرب للنجاح. ويمكن الاستفادة من وسائل التقنية الحديثة لتطوير آليات شفافة لاختيار هذه الكفاءات. وهنا يبرز مقترح إنشاء كيان جامع تحت مسمى “المهنيون المستقلون”، يتداعى إليه غير المنتمين حزبياً من مختلف المهن كمرحلة أولى، ثم يتوسع لاحقاً ليشمل قواعد أوسع، ولكل مهنة على استقلال، وذلك تمهيداً لاختيار كفاءات قادرة على إدارة الانتقال والمساهمة في إعادة إعمار السودان، ونواصل.









إرسال تعليق