بقلم: الامام عبداللطيف الامام
المدينة المنورة
ليست أزمة السودان اليوم مجرد أزمة خبز أو وقود أو كهرباء، وإن كانت هذه الثلاثية هي التي تطحن عظام المواطن السوداني كل صباح وتستنزف صبره. إنها أزمة مركبة ومعقدة، تلتقي فيها تداعيات *حرب مدمرة استمرّت لأكثر من ثلاثة أعوام*، مع اختلالات هيكلية مزمنة في إدارة الموارد، وضعف واضح في الرقابة على الأسواق، وغياب للشفافية والمساءلة التي ينشدها الناس.
حين يصل سعر كيلو العدس إلى أربعين ألف جنيه، ويصبح لتر البنزين حلماً بعيداً، وجالون الماء يباع بثمن باهظ، وتصبح الكهرباء ضيفاً يزورنا لساعات ثم يغيب لأيام، فإننا لا نتحدث عن أرقام اقتصادية باردة في تقارير رسمية، بل نتحدث عن كرامة أسرة تريد أن تستر نفسها بلقمة حلال، وعن أب يقف عاجزاً أمام أطفاله، وعن مريض يبحث عن ثلاجة تحفظ دواءه.
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً لم يدفعه شعب في محيطنا القريب. شعب صبر صبراً يفوق طاقة البشر، صبر على الحرب وفقد الأحبة، وعلى نهب البيوت وتدميرها، وعلى النزوح القسري من ديار ألفها وأحبها، وعلى سقوط القذائف في الأسواق والأحياء الآمنة، وعلى طائرات مسيّرة لا تفرق بين محطة كهرباء تغذي مستشفى، ومدرسة يدرس فيها أطفالنا. وكلما ظن الناس أن الجرح بدأ يلتئم وأن الحياة ستعود، يأتي استهداف جديد لمرفق خدمي حيوي ليعيد المعاناة إلى نقطة الصفر.
إن قطع الكهرباء واستهداف محطات المياه والطاقة ليس مجرد عمل عسكري عابر، بل هو قطع لشريان الحياة ذاته. تتوقف المياه عن البيوت، يتعطل العلاج في غرف العمليات وحضانات الأطفال، يفسد غذاء الفقراء في الثلاجات، ويتوقف التلميذ عن المذاكرة ليلاً. ومن يخطط لمثل هذه الأعمال يعلم يقيناً أنه لا يحارب جيشاً في الميدان، بل يحارب أماً تريد أن تطعم صغارها، وشيخاً مسناً يبحث عن شربة ماء، ومريضاً يبحث عن جرعة دواء.
وفي وسط هذا الركام والوجع، لا بد من قول الحقائق بإنصاف وتجرد. لقد وجد السودان في محنته سنداً حقيقياً من أشقاء وقفوا معه ولم يديروا ظهورهم له، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية التي احتضنت مفاوضات جدة وسيرت الجسور الجوية، ودولة قطر وتركيا وجمهورية مصر العربية التي فتحت بيوتها ومدارسها ومستشفياتها لأهل السودان. وهي مواقف كبيرة يحفظها لهم الشعب السوداني بكل تقدير وامتنان، ويتطلع إلى المزيد من التضامن الفاعل الذي يتناسب مع حجم الكارثة.
وبالمقابل، فإن التاريخ لا ينسى، والذاكرة الشعبية لا تمحى. فهناك من جعل أرضه منصة للإضرار بجاره، ومن فتح حدوده ومطاراته لتتدفق الأسلحة التي تقتل السودانيين وتطيل أمد الحرب، ومن وفر الملاذ والدعم لميليشيا استباحت حرمات البيوت. إن الجغرافيا المشتركة وروابط الدم والتاريخ تفرض مسؤوليات أخلاقية، ولا ينبغي أن تتحول الحدود إلى خناجر في خاصرة الشعوب.
اليوم، وبعد أن استعادت قواتنا المسلحة والقوات المساندة لها *الخرطوم وأم درمان وبحري ومدني وكل الجزيرة وسنجة وجبل موية والسوكي والدندر والنيل الأبيض*، بدأ الناس يعودون إلى بيوتهم أفواجاً. عادوا إليها وهي مدمرة، بلا أبواب ولا نوافذ، جدرانها مثقوبة بالرصاص، بلا ماء ولا كهرباء ولا خدمات، لكنهم عادوا لأن البيت ليس مجرد حيطان وأسمنت، البيت هوية وذاكرة وجذر وانتماء. عاد المواطن السوداني ليقول للعالم كله: أتحمل الجوع والعطش والظلام، ولا أتحمل أن أبقى غريباً ونازحاً مرة أخرى.
وهنا يكمن السؤال الجوهري الذي يجب أن نواجه به أنفسنا بشجاعة: هل كلما اشتدت الأزمة وارتفعت الأسعار تركنا بيوتنا ورحلنا؟ وهل يكون الحل هو الهجرة والنزوح من جديد؟
إن حب الوطن والتمسك به لا يعني أبداً أن نسكت عن التقصير أو نبرر الفشل. بل على العكس، من حق المواطن الصابر أن يسأل بصوت عالٍ: أين يذهب الوقود المدعوم؟ ولماذا يباع في السوق الأسود أمام أعين الجميع؟ ولماذا لا تحاسب الجهات التي تحتكر السلع وتضاعف الأسعار كل يوم؟ ومن حق المواطن أن يطالب بخطة وطنية عاجلة وواضحة لإصلاح محطات الكهرباء والمياه، وتأمين المنشآت الحيوية من الاستهداف، والتوسع الجاد في الطاقة الشمسية التي حبانا الله بها بوفرة وتحسدنا عليها الدنيا، حتى لا نظل رهائن لمحطة واحدة إذا ضربت انهارت الدولة كلها.
الصمود وحده لا يكفي، لا بد أن يتحول الصمود إلى إصلاح حقيقي. على الدولة أن تضرب بيد من حديد على المتلاعبين بقوت الناس، وأن تفرض رقابة صارمة على توزيع الوقود والدقيق، وأن تعلن للناس بشفافية كاملة: كم وصل من الإمدادات، وأين وزع، وماذا فعلت لمعالجة الاختناقات. فالثقة بين الشعب والدولة لا تبنى بالشعارات والبيانات، بل بالأفعال الملموسة والعدالة في التوزيع.
وعلى المجتمع أيضاً دور كبير لا يقل عن دور الدولة. هذه مرحلة التكافل الاجتماعي بامتياز. أن يتفقد الجار جاره، وأن تتكاتف لجان الأحياء لتوفير الغذاء بأسعار مخفضة، وأن نشجع المبادرات الشبابية والطوعية التي تعيد تشغيل بئر ماء، أو تنظف حياً، أو ترمم مدرسة، أو تسند أسرة متعففة فقدت معيلها.
إن السودان مر بمحنة قاسية لم يشهد لها مثيلاً، لكن المحن الكبرى قد تكون بوابة النهضة الحقيقية إذا أحسنا قراءتها واستلهام دروسها. هذه فرصة تاريخية لنعيد النظر في اقتصادنا الريعي الذي يعتمد على الاستيراد، ولنستثمر بجدية في زراعتنا التي كانت سلة غذاء العالم، وفي صناعتنا الوطنية، وفي طاقاتنا المتجددة. أجدادنا علمونا أن الشدة لا تكسر الظهر، بل تقوي العود وتشد الساعد.
*نحن لن نغادر وطننا، حتى وإن أجبرتنا الحرب على مغادرته مؤقتاً. نحن نازحون منذ بداية الحرب، قلوبنا معلقة بتراب قريتنا وبيوتنا، نحمل السودان في صدورنا أينما حللنا. قد نكون بعيدين بأجسادنا، لكننا لم نغادر بقلوبنا يوماً واحداً، سنبقى نحمله معنا، نصلحه بنصحنا، وننتقده بحبنا، ونبنيه بدعائنا ودعمنا ونحميه بتمسكنا به. فالحكومات تذهب وتأتي، والأزمات تشتد ثم تزول بإذن الله، لكن الوطن إن ضاع من قلوبنا فلن يعود ولن يعوضه شيء.*
*وسيبقى السودان، بإذن الله، شامخاً، وطناً يسع أبناءه جميعاً بالكرامة والأمن والعدالة والسلام.*







إرسال تعليق