بقلم / الهنا حميدان حسن
“كاتبةومحللة وباحثة في الشأن السياسي”
السودان بين الظلام والعدالة والبحث عن مخرج*
ثلاثة مشاهد تلخص السودان اليوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، وكلها حدثت في نفس الـ 24 ساعة.
*المشهد الأول: الظلام – الساعة 4:43 فجراً*
في تمام الساعة 4:43 فجر اليوم الثلاثاء، صوت انفجار في أمدرمان. مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع ضربت محطة المرخيات التحويلية، أكبر محطة كهرباء تغذي الخرطوم وأمدرمان والجزيرة.
النتيجة فورية: ظلام شامل في العاصمة، الجزيرة، أجزاء من القضارف والنيل الأبيض. حتى كتابة هذا المقال الساعة 10 صباحاً، الكهرباء لم تعد.
هذا الهجوم هو السادس خلال 24 ساعة. أمس الاثنين 26 أكتوبر، نفس القوات ضربت خمس محطات دفعة واحدة: محطتين في القضارف، محطتين في الجزيرة (الفاو والحواتة)، ومحطة في النيل الأبيض. المسؤول الحكومي الذي تحدث لفرانس برس قال: الانقطاع شمل مناطق واسعة.
*لماذا الكهرباء؟* الاستراتيجية واضحة: الجيش يسيطر على الأرض في الشرق والوسط، الدعم السريع لا يستطيع مواجهته مباشرة، فيضرب البنية التحتية التي يعتمد عليها الجيش لإدارة الدولة. لكن الثمن يدفعه المواطن ،، طفل في الفاو مصاب بالسكري، إنسولينه في الثلاجة سيتلف، وأمه تقول لفرانس برس: “لا نعرف متى تعود الكهرباء، وتأمين ثمن الدواء مجدداً صعوبة مع وضع الزراعة هذه السنة”.
الأمم المتحدة حذرت اليوم: ضرب محطات الطاقة يهدد الرعاية الصحية والخدمات الأساسية لـ 20 مليون جائع.
*المشهد الثاني: العدالة – الساعة 10 صباحاً في لندن وباريس*
في نفس الصباح، في لندن، وزارة الخارجية البريطانية نشرت القائمة الكاملة لـ 15 شخصية شملتها العقوبات التي أعلنت أمس.
القائمة تضم بينهم النور القبة والمصباح أبو زيد، وقادة منشقين وقادة ميليشيات من الطرفين . التهم: قتل جماعي، إعدامات عرقية، عنف جنسي، اختطاف، هجمات على مرافق صحية. العقوبات: تجميد أصول، حظر سفر، وإحالة الملفات إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
وفي باريس، في نفس الساعة، سفارة السودان أصدرت بياناً بمناسبة مرور عام على مجزرة الفاشر (26 أكتوبر 2025). البيان قال: ما جرى في الفاشر شمل قتل جماعي وتصفية عرقية وعنف جنسي وتعذيب واختفاء قسري، وطالب بتصنيف الدعم السريع تنظيم إرهابي.
والي شمال دارفور قال اليوم: الفاشر سقطت بالحصار والتجويع لا عسكرياً، الحصيلة الأولية 5000 قتيل. حركة العدل والمساواة قالت: مجزرة الفاشر تطهير عرقي وإبادة جماعية وصمت العالم جريمة. المفوضية القومية لحقوق الإنسان ونقيب المحامين أعلنا: تحركات قانونية دولية لملاحقة مرتكبي جرائم الفاشر بدأت.
اليوم 27 أكتوبر ليس يوماً عادياً، هو الذكرى الأولى لسقوط الفاشر. عام كامل مر، والمدينة التي كانت ملجأً لـ 1.5 مليون نازح أصبحت رمزاً للمجزرة المنسية، كما وصفتها العفو الدولية أمس.
*المشهد الثالث: البحث عن مخرج – بين الخرطوم وموسكو*
بين الظلام والعدالة، هناك محاولة للخروج.
الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، الذي وصل الخرطوم أمس الاثنين 26 أكتوبر، واصل اليوم الثلاثاء لقاءاته. بعد لقاء البرهان أمس، التقى اليوم رئيس الوزراء كامل إدريس ولجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني.
فهمي قال: الجامعة تدعم وحدة السودان وسيادته، لكن الحوار يجب أن يستند إلى إرادة السودانيين أنفسهم. وأكد أنه سيستمع لرؤى القوى السودانية بشأن مستقبل العملية السياسية.
هذه الزيارة هي أول تحرك عربي مباشر في الخرطوم منذ 3 سنوات ونصف. قبلها كانت كل المبادرات في جدة وجنيف والقاهرة. الآن الجامعة العربية تريد نقل الحوار إلى داخل السودان، وتشارك في الآلية الخماسية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، إيقاد، الاتحاد الأوروبي، الجامعة العربية).
وفي نفس الوقت، البرهان يجهز حقيبته للسفر إلى موسكو للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة التي تبدأ غداً الأربعاء 28 و29 أكتوبر. سيلتقي بوتين، وسيلقي خطاباً في الجامعة الروسية الجمعة 30 أكتوبر. السفارة السودانية في موسكو دعت الجالية للحضور.
سفير روسيا في السودان قال: رغم معارضة الغرب، معظم القادة الأفارقة سيحضرون، بمن فيهم رئيس السودان الصديق.
*الصورة الكاملة:-*
ثلاثة مسارات تتقاطع اليوم:
1 _*مسار عسكري:* ضرب الكهرباء لشل الدولة – 6 محطات في يومين
2 _*مسار قانوني:* عقوبات وذكرى مجزرة وإحالة للجنائية – محاولة لإنهاء الإفلات من العقاب
3 _ *مسار سياسي:* جامعة عربية في الخرطوم وقمة روسية في موسكو – بحث عن مخرج
وبينها جميعاً، بيان دولي صدر اليوم من واشنطن، موقع من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا والمفوض الأوروبي: 19.5 مليون سوداني (41% من السكان) يعانون انعدام أمن غذائي حاد، 825 ألف طفل سوء تغذية وخيم، خطر مجاعة خلال الأشهر القادمة إذا لم تتخذ إجراءات فورية. البيان طالب بإزالة كل عوائق المساعدات والسماح بالوصول الجوي لدارفور وعدم ضرب البنية التحتية المدنية، وقال بوضوح: لا الجيش ولا الدعم السريع يمثلان حكماً شرعياً.
*الخلاصة:*
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 يلخص معادلة السودان: كهرباء مقطوعة في الخرطوم، عدالة مؤجلة في الفاشر، وسياسة تبحث عن مخرج بين القاهرة وموسكو. المواطن السوداني يعيش الظلام حرفياً، بينما العالم يتحدث عن العقوبات والمجاعة والحوار.
السؤال: هل زيارة فهمي اليوم وزيارة موسكو غداً ستعيد التيار الكهربائي والسياسي، أم أن الظلام سيطول؟
*الهنا حميدان حسن*







إرسال تعليق