بقلم / الطيب شيقوق المحامي والمستشار القانوني
حين تختل معايير التقدير، يتقدم أصحاب الضجيج ويتراجع أهل العطاء
ليست كل شخصية مشهورة جديرة بأن تكون رمزاً، وليس كل إنسان مجهول بعيداً عن الأضواء قليل الشأن. فبين الشهرة والاستحقاق مسافة قد تتسع أحياناً حتى يصبح الوصول إلى دائرة الضوء أسهل من تقديم عمل يستحق أن يُضاء عليه.
وفي المجتمعات الحية، لا تُصنع الرموز بالمصادفة، ولا تُمنح مكانتها لمجرد قدرتها على جذب الانتباه، وإنما تتشكل قيمتها من خلال ما تقدمه للناس، وما تتركه من أثر في حياتهم، وما تجسده من قيم ومبادئ تستحق أن تبقى بعد غياب أصحابها.
غير أن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل ما زلنا نصنع رموزنا وفقاً لمعايير العطاء والاستحقاق، أم أننا أصبحنا نصنعها وفقاً لمعايير الشهرة والانتشار والقدرة على التأثير في الجمهور؟
إن صناعة الرموز ليست مسألة عابرة، بل هي إحدى القضايا العميقة المرتبطة بتشكيل الوعي الجمعي، وتحديد القيم التي يطمح المجتمع إلى ترسيخها في أذهان الأجيال الجديدة. فالشخصيات التي نحتفي بها اليوم قد تتحول، في نظر أبنائنا، إلى نماذج يُحتذى بها غداً، سواء أحسنا اختيارها أم أسأنا.
ولعل الإشكال يبدأ عندما تختلط معايير التقدير، فلا يعود المجتمع يميز بوضوح بين من صنع مجداً بعمله، ومن صنع لنفسه حضوراً بضجيجه؛ وبين من اكتسب مكانته بما قدمه للناس، ومن اكتسبها بقدرته على استمالة عواطفهم أو استثمار لحظاتهم العابرة.
وليس المقصود هنا التقليل من شأن الشهرة في ذاتها، فكم من عالم ومفكر وأديب ومصلح اجتماعي عرفه الناس وانتفعوا بعلمه وعطائه. وإنما المشكلة حين تصبح الشهرة دليلاً كافياً على القيمة، ويغدو عدد المتابعين بديلاً عن وزن الفكرة، ويُقاس تأثير الإنسان بمقدار ما يثيره من انتباه، لا بمقدار ما يضيفه إلى حياة الآخرين.
لقد أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً واسعاً لظهور المواهب والأفكار، وفتحت أبواباً كانت مغلقة أمام كثير من أصحاب القدرات والإبداعات. غير أن هذا الانفتاح، على أهميته، أفرز واقعاً جديداً أصبحت فيه القدرة على الانتشار أحياناً أكثر أهمية من جودة المحتوى، وأصبح من الممكن أن يحظى رأي عابر باهتمام واسع، بينما تمر فكرة عميقة دون أن تجد من يتوقف عندها.
وهنا ينبغي أن نطرح سؤالاً آخر: هل أصبح المجتمع أكثر اهتماماً بما يستحق التقدير، أم أكثر انجذاباً إلى ما يسهل استهلاكه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تستلزم إدانة المجتمع، بقدر ما تستدعي مراجعة الآليات التي تتشكل من خلالها أحكامه وتفضيلاته. فالجمهور ليس مسؤولاً وحده عن صناعة الرموز، بل تشاركه في ذلك مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام، إلى جانب النخب الاجتماعية والفكرية التي تمتلك القدرة على توجيه الاهتمام العام.
ولعل مسؤولية النخب تبدو أكثر إلحاحاً؛ لأنها ليست مطالبة بمجرد معرفة أصحاب القيمة، بل أيضاً بتعريف المجتمع بهم، وإبراز إسهاماتهم، وربط الأجيال الجديدة بسيرهم وتجاربهم. فكم من شخصية قدمت لوطنها ومجتمعها خدمات جليلة، ثم مضت في صمت، لا لأن عطائها كان قليلاً، وإنما لأن أحداً لم يتولَّ توثيقه أو إنصافه أو تقديمه إلى الناس بالصورة التي يستحقها.
وفي المقابل، قد تحظى شخصيات أخرى بمساحات واسعة من الاحتفاء، لا يتناسب حجمها بالضرورة مع ما قدمته من أعمال أو أفكار. وليس في ذلك ما يدعو إلى الحسد أو الانتقاص من الآخرين، وإنما ما يدعو إلى التساؤل عن المعايير التي نحتكم إليها حين نقرر أن هذا الإنسان يستحق التكريم، وأن ذاك لا يستحق حتى أن نتوقف عند تجربته.
فالمجتمع الذي يُحسن تكريم رموزه لا يكرم أشخاصاً فحسب، بل يعلن أيضاً عن القيم التي يريد أن تسود بين أبنائه.
ومن هنا تبرز أهمية التكريم المؤسسي الرشيد، الذي لا ينبغي أن يكون مناسبة اجتماعية تنتهي بانتهاء الاحتفال، أو وسيلة للمجاملة وتبادل الثناء، وإنما عملية واعية تقوم على معايير واضحة، وتستند إلى سجل موثق من الإنجاز، وتمنح كل صاحب عطاء حقه دون محاباة أو تمييز.
ولا يقل عن ذلك أهمية توثيق سير الشخصيات التي أسهمت في بناء المجتمع، سواء أكان عطاؤها في مجالات العلم والقضاء والأدب والفن والتعليم، أم في العمل الأهلي والإصلاح الاجتماعي وخدمة الناس. فالتوثيق ليس مجرد حفظ للأسماء والتواريخ، بل هو حماية لذاكرة المجتمع من النسيان، ومنع لتاريخ الأجيال من أن يتحول إلى مجموعة من الحكايات المتناثرة التي يضيف إليها الرواة ما يشاؤون ويحذفون منها ما لا يتذكرون.
وفي المجتمع السوداني، الذي يزخر بتجارب إنسانية ومهنية ووطنية تستحق الدراسة والتوثيق، تبدو الحاجة ماسة إلى إعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع رموزنا. فقد عرفت بلادنا علماء وقضاة ومربين وأدباء ومصلحين اجتماعيين وشخصيات أهلية تركت آثاراً عميقة في حياة الناس، لكن بعض هذه التجارب لا يزال حبيس الذاكرة الشخصية، أو محفوظاً في صدور من عاصروا أصحابها، دون أن يجد طريقه إلى الأرشيف أو الكتاب أو الدراسة التي تضمن انتقاله إلى الأجيال المقبلة.
وليس من الإنصاف أن ننتظر رحيل أصحاب العطاء حتى نكتشف قيمتهم، أو أن نبدأ في جمع سيرتهم بعد أن تتفرق الشهادات وتضيع الوثائق. فالاعتراف الحقيقي لا ينبغي أن يكون مرثية متأخرة، وإنما تقديراً واعياً يحدث في حياة الإنسان، ويمنحه فرصة لرؤية أثر عمله في المجتمع الذي خدمه.
ومع ذلك، فإن إعادة الاعتبار للرموز الحقيقية لا تعني إقامة أصنام بشرية لا يجوز نقدها، ولا تحويل أصحاب الإنجازات إلى شخصيات فوق المساءلة. فالرمزية الناضجة لا تقوم على العصمة، وإنما على الاعتراف بالفضل مع الاحتفاظ بالقدرة على النقد الموضوعي. وكلما كان المجتمع قادراً على التمييز بين تقدير الإنسان وتقديسه، كان أقدر على بناء ثقافة صحية تحترم الإنجاز دون أن تتخلى عن التفكير المستقل.
ومن المهم أيضاً ألا نحصر مفهوم الرمز في أصحاب المناصب الرفيعة أو الألقاب العلمية الكبيرة؛ فهناك من صنعوا مكانتهم بأعمال بسيطة في ظاهرها، عظيمة في أثرها. معلم أفنى عمره في تعليم أجيال، وطبيب ظل قريباً من الفقراء، ومزارع حافظ على أرضه وأعان جيرانه، وامرأة كرست حياتها لتربية أبنائها وخدمة مجتمعها، ورجل إصلاح استطاع أن يطفئ نار خصومة قبل أن تتحول إلى مأساة.
هؤلاء جميعاً يمكن أن يكونوا رموزاً للعطاء الإنساني، لأن قيمة الإنسان لا تُختزل في منصبه أو شهادته أو حجم الثروة التي جمعها، بل تتجلى أيضاً في أثره الطيب، وفي مقدار ما أضافه إلى حياة الآخرين.
إن المجتمعات لا تحتاج إلى تقليل عدد الشخصيات التي تحتفي بها، بقدر حاجتها إلى تحسين معايير الاحتفاء. ولا تحتاج إلى إطفاء الأضواء عن المشاهير، بقدر حاجتها إلى تسليط الضوء على أولئك الذين يستحقونه ولم تصل إليهم الأضواء بعد.
ولعل البداية تكون بإعادة الاعتبار للمدرسة والكتاب والمؤسسات الثقافية والإعلام المسؤول، وتشجيع الدراسات التي توثق تجارب الشخصيات المؤثرة، وإفساح المجال أمام النقد الثقافي الذي يميز بين القيمة الحقيقية والصورة المصنوعة. كما ينبغي أن يكون التكريم أكثر ارتباطاً بالإنجاز، وأقل خضوعاً للمجاملة والعلاقات الشخصية، حتى لا تتحول المناسبات التي يفترض أن تحتفي بالعطاء إلى مجرد طقوس اجتماعية لتبادل الأوسمة والألقاب.
وفي النهاية، تبقى صناعة الرموز مسؤولية مشتركة بين المجتمع ومؤسساته ونخبه وأفراده. فكل واحد منا يسهم، بقدر ما يمنحه من اهتمام وثقة وتقدير، في تحديد الشخصيات التي تتصدر المشهد العام، والقيم التي تنتشر من خلالها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعاً ليس أن يغيب عنه أصحاب العطاء، وإنما أن يفقد القدرة على التعرف إليهم؛ وليس أن تظهر فيه شخصيات لا تستحق التقدير، وإنما أن تختل لديه المعايير التي يميز بها بين الاستحقاق والادعاء.
فالتاريخ لا يحتفظ دائماً بأسماء الأكثر ضجيجاً، وإن كان الضجيج قد يمنح أصحابه حضوراً مؤقتاً في ذاكرة الناس. أما الرموز الحقيقية، فتلك التي يظل أثرها حاضراً حين يخفت الصوت، وتنتهي المناسبات، وتنطفئ الأضواء.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: عندما نختار من نكرمهم، ومن نمنحهم مكانة القدوة في مجتمعنا، هل نفكر في الصورة التي نريد أن نراها اليوم، أم في القيم التي نريد أن نورثها لأبنائنا غداً؟







إرسال تعليق