بقلم /المستشار القانوني د.الزبير حمزة الزبير
الوطن أكبر من الأشخاص وأبقى من المناصب وأسمى من الانتماءات الضيقة التي تفرق أبناءه وتضع الحواجز بينهم فالأوطان لا تبني بالأسماء وحدها ولا تحمي بولاء الأفراد والجماعات وإنما تبني بتكاتف أبنائها وتوحيد جهودهم وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية والحزبية والجهوية
إن حب الوطن الحقيقي لا يعني أن نتفق جميعاً في الرأي أو ننتمي إلى جهة واحدة أو نتبنى موقفاً سياسياً واحداً بل يعني أن نختلف دون أن نتخاصم ونتحاور دون أن نتخون ونتنافس دون أن نهدم وأن نجعل من اختلافاتنا مصدر ثراء وقوة لا سبباً للفرقة والاقتتال
لقد أثبتت التجارب أن الأشخاص مهما علت مكانتهم يرحلون والمناصب مهما طال بقاؤها تتغير والانتماءات السياسية والاجتماعية تتبدل لكن الوطن يبقى وتبقى معه مسؤوليتنا تجاه أرضه وشعبه ومستقبل أجياله ولذلك فإن ربط مصير الوطن بشخص واحد أو اختزاله في جماعة بعينها يمثل خطراً على وحدة المجتمع واستقراره لأن الوطن ملك لجميع أبنائه الشرفاء وليس حكراً على فئة دون أخرى فهو بجيشه بجميع مكوناته وسيادته
وفي أوقات الأزمات تزداد الحاجة إلى تجاوز الحسابات الضيقة وفتح أبواب الحوار والتواصل بين جميع الوطنيين الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء أبناء الوطن ولم يساهموا في نزوحهم وتشريدهم ممن يؤمنون بأن مصلحة البلاد فوق كل اعتبار وأن إنهاء معاناة المواطنين مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل
إن بناء الوطن يبداً بالاعتراف بأننا جميعاً شركاء في الأرض والمصير وأن كرامة المواطن وحقه في الحياة والأمن والاستقرار والعمل والتعليم يجب أن تتقدم على أي خلاف أو تنافس كما أن المصالحة الوطنية لا تعني نسيان الحقوق أو تجاوز العدالة وإنما تعني البحث عن طريق ينهي المعاناة ويحفظ الحقوق ويمنع تكرار المآسي ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات
فلنجعل الوطن هو المظلة التي تجمعنا والقاسم المشترك الذي يوحدنا والغاية التي نعمل من أجلها ولنختلف كما نشاء في أفكارنا واجتهاداتنا لكن لا نختلف على حق الوطن في الحياة وحق شعبه في السلام وحق أجياله القادمة في مستقبل أفضل
فالوطن لا يحتاج إلى أشخاص يطالبون الجميع بالالتفاف حولهم بقدر ما يحتاج إلى أشخاص يلتفون حوله ويضعون مصلحته فوق مصالحهم ويؤمنون بأن عظمة الإنسان لا تقاس بما يحققه لنفسه وإنما بما يقدمه لوطنه وشعبه
الوطن أكبر منا جميعاً وسيبقى أكبر من أحزابنا وجماعاتنا وانتماءاتنا الضيقة فمن أراد أن يخدم وطنه حقاً فليجعل بوصلته مصلحة الشعب ومرجعيته الحق والعدل وهدفه وطناً آمناً موحداً تسوده الكرامة والسلام والعدالة







إرسال تعليق