نفى البيان … ونفى الإنسان… على جمر الشتات

  • بتاريخ : 26 أكتوبر، 2026 - 9:40 م
  • الزيارات : 19
  • بقلم: د. مختار خضر بشراب

    حين تتكاثر الكلمات، ويغيب الإنسان عن معناها، يصبح الشتات حكاية وطن ضاع بين ضجيج الكلمات وصمت الضمير.
    ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يُنفى عن وطنه، إلا أن يُنفى عن إنسانيته وهو على أرضه؛ أن يعيش غريبًا في المكان الذي يحمل اسمه وذكرياته، أو أن يحمل وطنه في قلبه بينما تُغلق في وجهه أبواب العودة.
    قد يكون حربًا تقتلع الإنسان من بيته، أو خوفًا يحرمه من النوم مطمئنًا تحت سقفه، أو واقعًا يضعه أمام خيارين أحلاهما مُرّ: أن يصمت كي يبقى، أو أن يرحل كي ينجو.
    وقد يكون النفي أشد قسوة حين لا يحتاج إلى جواز سفر؛ حين يبقى الإنسان في وطنه، لكنه لا يجد فيه مكانًا لصوته، ولا ضمانًا لكرامته، ولا أفقًا يطمئنه إلى أن أبناءه سيعيشون حياة آمنة.
    عندها لا يُنفى الإنسان من المكان وحده، بل يُنفى المكان من معناه.
    فالوطن ليس حدودًا مرسومة على الخرائط، ولا راية تُرفع في المناسبات، ولا نشيدًا تتردد كلماته في المحافل. الوطن علاقة حية بين الإنسان والأرض والذاكرة، وعقد أخلاقي يضمن لكل من ينتمي إليه حقه في الحياة والكرامة والأمان. وحين يختل هذا العقد، تتحول الجغرافيا من حضن جامع إلى مساحة يتنازعها الخوف، ويصبح الانتماء عبئًا بدل أن يكون مصدرًا للطمأنينة.
    وهنا تبدأ المأساة التي لا تستطيع الكلمات وحدها أن ترويها.
    وهكذا يُنفى الإنسان مرتين: مرة من بيته، ومرة من الرواية التي تُكتب عن بيته.
    على جمر الشتات
    للشتات جغرافيا ظاهرة، وجغرافيا أخرى لا تراها الخرائط.
    الأولى تُقاس بالمسافات بين البلدان، والثانية بالمسافة بين الإنسان وحياته التي تركها خلفه؛ بين البيت الذي كان يعرف تفاصيله، والبيت الذي يحاول أن يألفه؛ بين الوجوه التي كانت جزءًا من يومه، والوجوه التي يلتقيها في أرض جديدة ولا يعرف كيف يشرح لها ما فقد.
    الشتات ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر. إنه اقتلاع يطال تفاصيل الحياة الصغيرة قبل أن يظهر في العناوين الكبرى: مفتاح لم يعد يفتح بابًا، وصورة عائلية بقيت سليمة بينما تفرّق أصحابها، وصوت يأتي عبر الهاتف من مكان بعيد، وسؤال بسيط يتكرر حتى يفقد بساطته: متى نلتقي؟
    هو طفل يتعلم لغة جديدة قبل أن يتمكن من فهم أسباب رحيله، وأم تخفي خوفها كي لا ينهار أبناؤها، وأب يعيد ترتيب حياته من الصفر بعدما كان يظن أنه قطع شوطًا طويلًا في بنائها.
    وفي المنافي، يتعلم الإنسان أن الحياة لا تتوقف، حتى حين يتوقف جزء منه عند اللحظة التي غادر فيها وطنه.
    يعمل، ويتعلم، ويكوّن صداقات، ويربي أبناءه، ويصنع لنفسه مكانًا في المجتمع الجديد. وقد ينجح في ذلك نجاحًا كبيرًا، لكنه يظل يحمل في داخله مساحة لا تستطيع الحياة الجديدة أن تملأها بالكامل.
    ليس ذلك عجزًا عن الاندماج، ولا رفضًا للحاضر، بل أثر الذاكرة حين ترتبط بأرض وأشخاص وأزمنة لا يمكن استعادتها كما كانت.
    ومع مرور السنوات، يتغير المنفى أيضًا. تتبدل المدن، ويكبر الأبناء، وتتراجع بعض التفاصيل في الذاكرة، وتصبح العودة أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في اليوم الأول. وقد يجد الإنسان نفسه بين عالمين: عالم ينتمي إليه وجدانيًا، وعالم بنى فيه حياته الفعلية.
    فإلى أين يعود؟
    إلى البيت الذي ربما لم يعد قائمًا؟ إلى الشارع الذي تغيرت ملامحه؟ إلى المكان الذي يحتفظ باسمه في الذاكرة، بينما لم يعد يشبه الصورة التي يحملها عنه؟
    إن أقسى ما في الشتات ليس البعد المكاني وحده، بل اضطرار الإنسان إلى إعادة تعريف علاقته بالماضي والحاضر والمستقبل، فيما يظل سؤال العودة معلقًا؛ لا هو قادر على حسمه، ولا هو قادر على التخلي عنه.
    وعلى هذا الجمر، لا يحترق الحنين وحده؛ تحترق أعمار كاملة، وفرص ضائعة، وأحلام كان يمكن أن تتحقق لو أن الإنسان وجد في وطنه ما يحفظ له حقه في البقاء.

    حين يصبح الوجع رقمًا
    في عالم تحكمه التقارير والإحصاءات، يصبح من الضروري أن نعرف أعداد النازحين واللاجئين، وحجم الخسائر، وتكاليف الإغاثة، والاحتياجات الإنسانية. فالأرقام تساعد على فهم الكوارث، وتوجيه المساعدات، وبناء السياسات.
    لكن الرقم، مهما كان دقيقًا، لا يحكي القصة كاملة.
    خلف كل رقم إنسان له اسم ووجه وذاكرة، وله حياة كانت تمضي في مسارها الطبيعي قبل أن تنقلب فجأة. خلف كل أسرة نازحة حكايات من العمل والتعب والآمال والفرح اليومي؛ أشياء لا تظهر في جداول الإحصاء، لكنها تمثل في مجموعها معنى الحياة.
    وحين نكتفي بالأرقام، نخاطر بأن نرى حجم الكارثة دون أن نشعر بعمقها الإنساني. وحين تتحول المأساة إلى خبر عابر، يصبح الألم جزءًا من المشهد اليومي، ويتعلم الناس التعايش مع صور المعاناة بدلًا من التساؤل عن أسبابها ومسؤولية من يستطيعون وضع حد لها.
    وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الاعتياد على المأساة: أن يتراجع الاستنكار، لا لأن الظلم قد انتهى، بل لأن مشاهدته أصبحت مألوفة.
    تُعقد المؤتمرات، وتصدر المناشدات، وتتبادل المؤسسات التصريحات، وقد تُقدَّم مساعدات تنقذ أرواحًا وتخفف آلامًا، وهي أعمال لا يجوز التقليل من قيمتها. لكن الإغاثة، على أهميتها، لا تُغني عن معالجة أسباب الاقتلاع، ولا ينبغي أن تتحول إلى بديل دائم عن حماية الحقوق وصون الكرامة وإعادة بناء شروط الحياة الآمنة.
    فالإنسان لا يحتاج إلى من يمد إليه يد المساعدة فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى ألا يُدفع مرة أخرى إلى الهاوية نفسها.
    إن استعادة الإنسان تبدأ من الاعتراف بأن حياته ليست تفصيلًا يمكن إهماله، وأن مستقبله لا يجوز تأجيله.
    فالطفل الذي انقطع عن التعليم لا يستطيع استرداد سنواته بمجرد انتهاء الأزمة، والأسرة التي تفرّق أفرادها لا تعود بالضرورة إلى سابق عهدها بمجرد فتح الطرق، والإنسان الذي عاش طويلًا تحت الخوف يحتاج إلى أكثر من إعلان رسمي كي يستعيد شعوره بالأمان.
    لكن ثمة رواية أخرى لا تكتبها البيانات، ولا تستطيع الشعارات أن تمحوها: رواية الإنسان الذي فقد بيته، والأم التي انتظرت طويلًا، والطفل الذي كبر بعيدًا عن المكان الذي وُلد فيه، والعائلة التي تفرّق أفرادها بين بلدان لا تجمعهم إلا الذكريات.
    فما قيمة الانتصار إذا كان الإنسان أول الخاسرين؟ وما نفع الكلمات إذا لم تجد طريقها إلى حياة الناس؟
    ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس: من انتصر؟
    بل: ماذا بقي للإنسان بعد هذا كله؟
    حين يعود الإنسان إلى المعنى
    ربما لا نستطيع أن نمنع كل مأساة، أو أن نرد كل ما ضاع، أو أن نعيد الزمن إلى الوراء. لكننا نستطيع أن نرفض تحويل الألم إلى أمر مألوف، وأن نجعل الكرامة أساسًا للعلاقة بين الإنسان والعالم.
    نستطيع أن نذكّر بأن المنفي ليس رقمًا في تقرير، وأن اللاجئ ليس عبئًا على الإنسانية، وأن النازح ليس مجرد حالة طارئة، وأن الإنسان الذي خسر بيته لم يخسر حقه في الحياة الكريمة، وأن اختلافه مع الآخرين لا يسلبه شيئًا من آدميته.
    ونستطيع، قبل ذلك كله، أن نعيد النظر في اللغة التي نستخدمها حين نتحدث عن المآسي؛ أن نسأل أنفسنا إن كانت كلماتنا تضيء الحقيقة أم تحجبها، وتنصف الإنسان أم توظف معاناته.
    فالكلمات، مهما كانت بليغة، لا تستطيع أن تكون بديلًا عن الرحمة، والوطن، مهما اتسعت حدوده، لا يكتمل معناه إذا ضاق بأبنائه.
    إن أصدق الكلمات هي تلك التي لا تخون الواقع، وأبقى الأوطان هي التي تجعل كرامة الإنسان أساسًا لوجودها، لا امتيازًا تمنحه لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء.
    أما الشتات، فسيظل جرحًا مفتوحًا ما دام الإنسان يُدفع إلى مغادرة المكان الذي كان ينبغي أن يحميه.
    وسيظل الحنين ناقصًا ما لم يجد طريقه إلى أفق من الأمان والعدالة، وستظل العودة أمنية معلقة ما لم تتوافر لها شروط تحفظ للإنسان حياته وكرامته وحقه في الاختيار.
    على جمر الشتات، تتعرى الكلمات من زينتها، ولا يعود السؤال عن فصاحة البيان، بل عن أثره في حياة الإنسان.
    وحين تتكاثر الكلمات ويغيب الإنسان عن معناها، يصبح الصمت عن المأساة مشاركة في اعتيادها، وتصبح استعادة الإنسان مسؤولية أخلاقية لا يجوز تأجيلها.
    فأخطر أنواع النفي أن يُحرم الإنسان من وطنه، ثم يظل يحمل الوطن في قلبه حتى الموت.
    ولعل المأساة الأكبر ليست أن يغادر الإنسان وطنه، بل أن يصل إلى لحظة يشعر فيها بأن العالم كله قد اعتاد غيابه.
    عندها، لا يكون المنفي وحده هو الذي خسر وطنه؛ بل تكون الإنسانية قد خسرت شيئًا من معناها.
    فحين يُنفى الإنسان، لا يعود السؤال: أين ذهب؟ بل: أي معنى بقي للوطن، وأي ضمير بقي للإنسانية؟