بين الترويج للجنة تهيئة الحوار ورفض المبادرة الدولية قراءة نقدية في تصريحات عثمان ميرغني بقناة الحدث
بقلم/ السفير الصادق المقلي
( D )
إن التحذير من تقسيم السودان أو تكريس وجود سلطتين ليس مسألة يمكن الاستهانة بها، لكنه يصبح إشكالياً عندما يتحول إلى اتهام ضمني للمبادرة الرباعية من دون أدلة كافية على أن ذلك هو هدفها أو النتيجة الحتمية لتنفيذها.
فإذا كانت هناك مخاوف من أن تؤدي الهدنة إلى تكريس سلطات موازية، فإن الطريق الصحيح لمعالجتها هو طرح ضمانات واضحة بشأن وحدة الدولة، ورفض الاعتراف بكيانات غير شرعية، ووضع آليات تمنع استغلال الهدنة لتوسيع السيطرة العسكرية أو فرض وقائع سياسية جديدة.
كما ينبغي مناقشة هذه الضمانات مع الأطراف المعنية، وتحديد آليات مراقبة التنفيذ، ومعالجة الخروقات، وربط الهدنة بخطوات سياسية وأمنية متفق عليها.
أما رفض الهدنة استناداً إلى احتمال أن تؤدي إلى تقسيم السودان، من دون
المبادرة من أجل تحسين ضماناتها، ورفض المبادرة من حيث المبدأ على أساس أنها مؤامرة خارجية.
الأول موقف سياسي مشروع يمكن أن يسهم في تحسين فرص نجاح التسوية، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة قوية تثبت أن المخاطر التي يُحذَّر منها نابعة من بنود المبادرة نفسها، وليست مجرد احتمالات يجري توظيفها في الصراع السياسي الداخلي.
إن وحدة السودان لا تُحمى بإدامة الحرب، كما أن وقف الحرب لا يضمن وحده وحدة الدولة. المطلوب هو الجمع بين وقف القتال، وضمان وحدة المؤسسات والسيادة، وإطلاق عملية سياسية شاملة، ووضع ترتيبات أمنية تمنع تجدد النزاع.
*تاسعاً*: *المطلوب من لجنة تهيئة الحوار ومن دعاة المبادرات الوطنية*
إذا كانت هناك رغبة حقيقية في تقديم مشروع وطني بديل، فإن المطلوب من لجنة تهيئة الحوار ليس الاكتفاء بانتقاد المبادرات الدولية، وإنما تقديم تصور عملي يجيب عن الأسئلة الأساسية:
كيف يمكن وقف إطلاق النار بصورة عاجلة، ومنع استمرار الكارثة الإنسانية؟
كيف يمكن ضمان مشاركة القوى السياسية السودانية المختلفة، بما فيها المعارضة، في حوار شامل وذي مصداقية؟
ما الضمانات القانونية والسياسية اللازمة لتهيئة المناخ للحوار، ومعالجة مخاوف الملاحقة والإقصاء؟
كيف يمكن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، ومنع تكريس وجود سلطات موازية؟
ما الترتيبات الأمنية المطلوبة لإنهاء الحرب، ومعالجة أوضاع القوات المسلحة والتشكيلات المسلحة، ومنع تجدد القتال؟
ما الجدول الزمني المقترح للانتقال السياسي، وكيف تُضمن استقلالية مؤسسات المرحلة الانتقالية وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صدارة النقاش، بدلاً من الاكتفاء بترديد أن الحل يجب أن يكون سودانياً، أو أن المبادرات الخارجية فشلت، أو أن الهدنة ستعيد إنتاج السيناريو الليبي.
فإذا كانت لدى عثمان ميرغني ولجنة تهيئة الحوار رؤية متكاملة تجيب عن هذه الأسئلة، فمن حقهما طرحها ومناقشتها أمام الرأي العام. أما إذا كانت اللجنة تركز على المسار السياسي، وتتجنب تقديم تصور واضح لوقف الحرب، فإنها لن تكون بديلاً متكاملاً للمبادرات التي تجمع بين المسارين العسكري والسياسي.
عاشراً: أي الطريقين يخدم السلام ووحدة السودان؟
إن الخلاف الحقيقي ليس بين من يريد حلاً سودانياً ومن يريد حلاً أجنبياً، كما قد توحي بعض التصريحات، بل بين مقاربات سياسية مختلفة بشأن كيفية إنهاء الحرب، وترتيب الأولويات، وتوفير الضمانات اللازمة للسلام.
فالمبادرة الرباعية، وفق محاورها المطروحة، لا تدعو إلى هدنة منفصلة عن العملية السياسية، بل تربط وقف القتال بالمسار السياسي والترتيبات الأمنية والانتقال وإعادة الإعمار.
وفي المقابل، فإن الرؤية التي يروج لها عثمان ميرغني تضع لجنة تهيئة الحوار وخارطة الطريق الحكومية في مركز الحل، لكنها تثير أسئلة حول كيفية التعامل مع المسار العسكري، وضمان وقف الحرب، وتوفير بيئة آمنة للحوار، وإشراك القوى السياسية المختلفة.
كما أن وصف الحرب بأنها «أمر واقع»، والتحذير من الهدنة باعتبارها مدخلاً محتملاً لتقسيم السودان، لا يكفيان لتقديم بديل عملي.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في المبادرات الخارجية لمجرد أنها خارجية، وإنما في أي مسار، داخلياً كان أم دولياً، يفشل في وقف الحرب، أو يستبعد قطاعات من السودانيين، أو يكرس الانقسام، أو يمنح أطراف النزاع فرصة لإعادة إنتاج الأزمة.
ومن هنا فإن الموقف الأكثر اتساقاً مع مصلحة السودان هو دعم كل جهد جاد يفضي إلى وقف إطلاق النار، مع الإصرار على ضمانات واضحة لوحدة البلاد وسيادتها، والتمسك بحوار سوداني شامل وذي مصداقية، لا يُختزل في القوى الموالية للحكومة، ولا يُحتكر لمصلحة أي طرف من أطراف الحرب.
*خاتمة*: *من يعرقل السلام فعلاً*؟
في نهاية المطاف، يظل السؤال الذي ينبغي أن يواجه عثمان ميرغني وكل دعاة لجنة تهيئة الحوار هو: ماذا قدمتم عملياً لوقف الحرب وتهيئة المناخ لحوار سوداني شامل، وما البديل القابل للتنفيذ الذي تطرحونه إذا رفضتم المسار الذي تدعمه الرباعية؟
إن الدفاع عن الإرادة السودانية لا يكون برفض كل مبادرة تأتي من الخارج، كما أن الحفاظ على وحدة السودان لا يكون بمجرد التحذير من السيناريو الليبي، وإنما بتقديم ضمانات عملية تمنع الانقسام، وتوقف الحرب، وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة.
والسؤال الآخر الذي لا يقل أهمية: هل يمكن قبول الحديث عن حوار سوداني شامل، بينما لا توجد معالجة واضحة للعقبات التي تحول دون مشاركة القوى السياسية المعارضة، ولا تصور متكامل لوقف القتال؟
إن السودان لا يحتمل مزيداً من المناورات السياسية، ولا يحتاج إلى مبادرات تتنافس على احتكار صفة الوطنية، بل يحتاج إلى مسار جاد ينهي الحرب، ويحمي المدنيين، ويحافظ على وحدة البلاد، ويعيد السلطة إلى عملية سياسية ذات مصداقية.
أما نظرية المؤامرة التي تصور كل مبادرة دولية باعتبارها مشروعاً لتقسيم السودان، فإنها لا تصبح حقيقة لمجرد تكرارها، بل تحتاج إلى أدلة ووثائق ومواقف معلنة يمكن فحصها ومناقشتها.
من حق الرأي العام *أيضاً أن يطالب الاستاذ* *أن يوضح كيف ستنهي لجنته الحرب في ظل مسار آحادي*؟
إن مخرجاً من مأساتهم. كما أن الهدنة وحدها، من دون ضمانات وترتيبات سياسية وأمنية، ليست حلاً نهائياً.
المطلوب هو وقف الحرب والانتقال إلى سلام مستدام، عبر ومسار سياسي سوداني شامل يعالج جذور الأزمة ويؤسس لدولة مستقرة.
ويبقى السؤال الأخير: إذا كانت مصر والسعودية، وهما عضوان في الرباعية، تؤكدان وحدة السودان وسيادته فكيف تكون مشاركتهما في المبادرة تستهدف إعادة إنتاج السيناريو الليبي؟
إنها سردية تحتاج إلى إثبات، لا إلى الترويج؛ فمصلحة السودان تقتضي مناقشة المبادرات على أساس مضمونها ونتائجها المحتملة، لا على أساس التخويف من كل جهد يرمي إلى وقف الحرب.







إرسال تعليق