( B )
اتفاقية المقر..حق قانوني أم مواجهة سياسية؟
بقلم/ السفير الصادق المقلي
لا شك أن اتفاقية المقر لعام 1947 تثير مسألة مهمة تتعلق بالتزامات الولايات المتحدة بوصفها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة.
وقد استند السودان بالفعل إلى هذه الاتفاقية في احتجاجه، كما أفادت تقارير بأن الأمم المتحدة أثارت الأمر مع الولايات المتحدة. كما أن هناك خلافاً حول مدى انطباق الاستثناءات التي تتمسك بها واشنطن على هذه الحالة.
لكن حتى إذا افترضنا أن الموقف السوداني قوي قانونياً، فإن قوة الحجة القانونية لا تعني بالضرورة أن التصعيد السياسي هو أفضل وسيلة لاستخدامها.
يمكن للسودان أن يتمسك بحقه، وأن يطلب رأياً قانونياً من الأمم المتحدة، وأن يسجل احتجاجه رسمياً، وأن يطالب الدولة المضيفة باحترام التزاماتها.
لكن هل يحتاج كل ذلك إلى تحويل القضية إلى مواجهة سياسية مفتوحة مع واشنطن؟
هنا أعتقد أن الحساب الدبلوماسي ينبغي أن يتجاوز الانفعال بالقضية.
واشنطن لا تتعامل مع التأشيرة في فراغ سياسي
لا يمكن فصل أزمة التأشيرة عن السياق الأكبر للعلاقات السودانية ــ الأمريكية.
فالولايات المتحدة تضغط من أجل وقف الحرب، وقد طرحت عبر مسعد بولس مقترحاً لهدنة لمدة 90 يوماً، فيما أبدى الجيش السوداني تحفظات على المقترح. وتأتي أزمة التأشيرة في وقت تشهد فيه العلاقة بين واشنطن وقيادة الجيش توتراً متزايداً.
ولذلك، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع السياسة الأمريكية، فإن من الصعب قراءة قرار التأشيرة بمعزل عن هذا السياق.
ومن الواضح أن واشنطن تستخدم أدوات الضغط الدبلوماسي والسياسي في محاولة للتأثير على مسار الحرب والتفاوض.
وهنا تحديداً يصبح السؤال: هل ينبغي للخرطوم أن ترد على الضغط الأمريكي بمزيد من التصعيد، أم أن مصلحتها تقتضي البحث عن مساحة للتفاوض وتخفيف التوتر؟
الدبلوماسية السودانية تحتاج إلى التهدئة لا إلى فتح جبهة جديدة
في الظروف العادية، قد يكون التصعيد الدبلوماسي خياراً متاحاً للدولة.
لكن السودان ليس في ظروف عادية.
هناك حرب مستمرة، وأزمة إنسانية هائلة، وضغوط دولية وإقليمية، ومبادرات متعددة لوقف إطلاق النار، ومحاولات للتوصل إلى تسوية سياسية.
وفي مثل هذه الظروف، فإن وظيفة الدبلوماسية ليست فقط الدفاع عن الموقف الوطني، وإنما أيضاً منع الخلافات من التحول إلى أزمات إضافية.
وهنا أستعير التعبير الإنجليزي:
Appeasement rather than Escalation.
أي: التهدئة بدلاً من التصعيد.
والتهدئة هنا لا تعني الاستسلام، ولا تعني التنازل عن الحقوق، ولا تعني القبول بالموقف الأمريكي.
التهدئة تعني أن تختار الدولة أدواتها بعناية؛ أن تعترض عندما يكون الاعتراض ضرورياً، وأن تفاوض عندما يكون التفاوض ممكناً، وأن تترك أبواب التواصل مفتوحة حتى عندما تكون الخلافات عميقة.
فالدولة التي تخوض حرباً تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الأصدقاء، وإلى أقل قدر ممكن من الخصومات الجديدة.
معركة في غير معترك؟
من هذه الزاوية، أعتقد أن وزير الخارجية كان يمكنه أن يحقق الهدف نفسه بطريقة أكثر هدوءاً.
كان يمكنه أن يقول إن السودان يحتج على عدم إصدار التأشيرة، وإنه يرى أن ذلك يتعارض مع التزامات الدولة المضيفة، وإنه طلب من الأمم المتحدة معالجة المسألة قانونياً ومؤسسياً.
وكان يمكنه أن يترك للأمم المتحدة نفسها مساحة معالجة الخلاف مع واشنطن.
أما الانتقال إلى المطالبة بـ«تحقيق دولي»، من دون تحديد الجهة التي ستجريه أو الآلية التي سيجري عبرها، فيبدو تصعيداً لا يخدم بالضرورة الهدف الأكبر للدبلوماسية السودانية.
فإذا كانت القضية في جوهرها خلافاً قانونياً بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة حول التزامات الدولة المضيفة، فلماذا لا تُترك للقنوات القانونية والمؤسسية داخل المنظمة الدولية؟
ولماذا نحتاج إلى تحويلها إلى أزمة سياسية جديدة في العلاقات السودانية ــ الأمريكية؟
الدبلوماسية فن إدارة الخلاف
المسألة في النهاية ليست الدفاع عن واشنطن.
فالولايات المتحدة، مثل أي دولة، يمكن أن تكون موضع نقد واعتراض، ومن حق السودان أن يرفض أي قرار يراه مجحفاً بحقه.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه الدبلوماسي السوداني ليس فقط:
كيف نرد على القرار الأمريكي؟
بل:
كيف نرد بطريقة تخدم مصالح السودان؟
وهذا فرق كبير.
فالدبلوماسية ليست مسابقة في رفع سقف الخطاب، وليست كل معركة تستحق أن تتحول إلى مواجهة.
وفي الظروف التي يمر بها السودان اليوم، ربما تكون الحاجة أكبر إلى دبلوماسية هادئة، مرنة، قادرة على إدارة التناقضات، وفتح قنوات التواصل حتى مع الخصوم.
لذلك، فإن قضية تأشيرة البرهان كان يمكن أن تظل قضية قانونية ودبلوماسية محددة، بدلاً من أن تتحول إلى عنوان جديد للتصعيد بين الخرطوم وواشنطن.
فالبلاد تحتاج الآن إلى من يخفض عدد خصومها، لا إلى من يزيدهم.
وتحتاج إلى دبلوماسية تُهدئ ولا تُصعّد؛ تفاوض ولا تقطع الجسور؛ وتدافع عن الحقوق من دون أن تحول كل خلاف إلى معركة.
Appeasement rather than Escalation.
لأن الهدف في نهاية المطاف ليس أن نكسب معركة التأشيرة، وإنما أن نستخدم الدبلوماسية لخدمة السودان في معركته الأكبر: إنهاء الحرب، حماية الدولة، وتقليل كلفة الصراع على السودانيين.







إرسال تعليق