حين يصبح المرض أكبر من الخلاف السياسي

  • بتاريخ : 2 أكتوبر، 2026 - 8:28 ص
  • الزيارات : 3
  • ياسر ابوريدة

    هناك فرق كبير بين أن تختلف مع رجل في السياسة وأن تختلف معه في الإنسانية. والمشير عمر البشير، مهما اختلف السودانيون حول عهده ومواقفه وسياساته، يظل في نهاية المطاف مواطناً سودانياً تجاوز الثمانين من عمره، والمرض لا يعرف لوناً سياسياً ولا يفرّق بين خصم وصديق.

    والسؤال هنا لا يتعلق بتبرئة أحد أو إسقاط مسؤولية قانونية عن أحد، وإنما يتعلق بمعيار واحد ينبغي أن يسري على الجميع. فقد فُتح باب العفو أمام مقاتلين وقادة ممن ألقوا السلاح وانضموا إلى الدولة، بل إن إجراءات توفيق أوضاع عدد من المنشقين عن الدعم السريع تمت استناداً إلى عفو سابق، كما طُرحت لاحقاً ضمانات وإجراءات قانونية لتهيئة الحوار السوداني.

    وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن نخاف من طرحه: إذا كان باب العفو والتسامح وإعادة الدمج يمكن أن يُفتح لمن حملوا السلاح، فلماذا تضيق مساحة الرحمة عندما يتعلق الأمر برجل تجاوز الثمانين ويحتاج إلى العلاج؟ وإذا كانت السياسة قد وجدت طريقاً للتسويات والضمانات، أفلا يجد المريض طريقاً إلى المستشفى؟

    لسنا أمام دعوة لإغلاق ملفات المحاسبة، ولا أمام محاولة لتلميع تجربة سياسية أو إعفاء أحد من المسؤولية. إنما نحن أمام قضية إنسانية ينبغي أن تُفصل عن الخصومة السياسية. فمن حق الدولة أن تحاسب، ومن حق القضاء أن يقول كلمته، لكن من حق المريض أيضاً أن يتلقى العلاج.

    والدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على العقاب، وإنما بقدرتها على الجمع بين القانون والرحمة. والمحاسبة لا تعني الانتقام، والاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة مفتوحة لا تنتهي حتى عندما يكون الإنسان في أضعف حالاته.

    لقد أنهكت الحرب السودان، ووسّعت دائرة الخصومة، وجعلت الحاجة إلى التسامح أكبر من أي وقت مضى. وإذا كنا نبحث عن مصالحة وطنية حقيقية، فإن أول اختبار لها هو قدرتنا على التعامل مع الخصم عندما يمرض، ومع المختلف عندما يضعف، ومع الإنسان قبل أن ننظر إليه من خلال موقعه السياسي.

    قد يختلف السودانيون حول البشير، وهذا أمر طبيعي، وقد تكون هناك قضايا وملفات سياسية وقانونية تحتاج إلى العدالة، لكن العلاج ليس جائزة سياسية، والدواء ليس عفواً عن جريمة، والرعاية الصحية لا ينبغي أن تكون امتيازاً تمنحه الخصومة أو تمنعه.

    إن السودان الذي يفتح أبوابه لمن يضع السلاح، ويبحث عن مخارج سياسية للحرب، يستطيع كذلك أن يجد مخرجاً إنسانياً لمريض يحتاج إلى العلاج.