بقلم/ السفير الصادق المقلي
جاء مقال الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مجلة Foreign Policy في توقيت بالغ الدلالة، وعلى خلفية تعثر مشاركته في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
ولذلك يصعب النظر إلى المقال باعتباره مجرد مقال رأي. فقد بدا أقرب إلى رسالة سياسية موجهة إلى المجتمع الدولي، أو إلى بيان كان يفترض أن يُسمع مباشرة من منبر الأمم المتحدة.
واللافت أن المقال حمل، في ظاهره، ما يمكن اعتباره أكثر تصريحات البرهان إيجابية حتى الآن بشأن الحرب والمستقبل السياسي للسودان.
فهو يتحدث عن وقف إطلاق النار، ودور للأمم المتحدة، وانتقال إلى حكم مدني، وجيش وطني واحد تحت سلطة مدنية، وإنهاء ظاهرة القوات والجيوش الموازية، ثم إجراء انتخابات حرة ونزيهة برقابة دولية.
وهي، من حيث المبادئ العامة، عناوين يصعب الاختلاف معها، بل إنها تلتقي مع عدد من الأفكار المطروحة في المبادرات الإقليمية والدولية، ومع جوهر ما تنادي به القوى المدنية السودانية.
لكن.. هنا تحديداً تكمن عقدة المنشار.
السلام.. ولكن بشروط الحرب
المشكلة ليست في الأهداف التي تحدث عنها البرهان، وإنما في الطريق الذي يقود إليها.
فالجيش الواحد، والحكم المدني، والانتخابات، والدولة الموحدة، كلها أهداف مؤجلة إلى ما بعد الحرب. أما السؤال الأكثر إلحاحاً فهو: كيف نوقف الحرب نفسها؟
هنا يعود الخطاب إلى المربع القديم: لا تسوية قبل التعامل مع الدعم السريع بوصفه تمرداً ينبغي أن ينتهي عسكرياً، ونزع سلاحه وإبعاده عن المناطق التي يسيطر عليها.
وهنا تصبح المسافة بين وقف الحرب وشروط وقف الحرب هي جوهر المشكلة.
فالمجتمع الدولي، في المقابل، يدفع باتجاه وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام عملية سياسية، بدلاً من انتظار حسم عسكري يسبق التسوية السياسية.
وهذا الفارق ليس تفصيلاً لغوياً.
إنه الفارق بين أن يكون وقف إطلاق النار نقطة البداية، وأن يكون نتيجةً لعملية عسكرية وسياسية لم تكتمل بعد.
وبعبارة أكثر وضوحاً:
هل نوقف الحرب لكي نتفاوض، أم نتفاوض بعد أن تنتهي الحرب؟
هذا هو السؤال الذي يظل معلقاً في مقال البرهان.
فإذا كان وقف إطلاق النار مشروطاً أولاً باستسلام الطرف الآخر أو بإعادة تموضعه وفق شروط يرفضها، فإن وقف إطلاق النار نفسه يصبح رهينةً للتوافق على تلك الشروط.
وهنا يمكن أن تتحول أكثر العبارات إيجابية في المقال إلى مشكلة عملية.
المشكلة ليست في «جيش واحد».. بل في الطريق إليه
لا خلاف، في المبدأ، على أن السودان لا يمكن أن يستقر في ظل تعدد الجيوش والقوات المسلحة.
ولا يمكن لدولة حديثة أن تقوم على جيشين، أو على مؤسسات عسكرية متوازية، أو على قوات مسلحة لا تخضع في النهاية لسلطة مدنية منتخبة.
لكن السؤال هو:
كيف نصل إلى الجيش الواحد؟
هل يبدأ ذلك بوقف إطلاق النار، ثم التفاوض على ترتيبات أمنية تدريجية تنتهي إلى دمج وتسريح وإعادة هيكلة؟
أم يبدأ بهزيمة أحد الطرفين وإجباره على تسليم السلاح؟
الاختلاف بين الإجابتين هو، في جوهره، الاختلاف بين منطق التسوية ومنطق الحسم.
والمفارقة أن مقال البرهان يجمع بين الاثنين: لغة سياسية تدعو إلى السلام والحكم المدني والانتخابات، ولغة عسكرية تجعل الوصول إلى ذلك السلام مرتبطاً أولاً بمعالجة وضع الدعم السريع عسكرياً.
وهنا تكمن عقدة المنشار.
دارفور.. حين تتبدل مواقع الحلفاء
وثمة جانب آخر شديد الدلالة في المقال، يتمثل في استدعائه تاريخ الجنجويد وانتهاكات دارفور، وربطها بتاريخ قوات الدعم السريع.
ولا أحد يستطيع أن يمحو من ذاكرة السودانيين والعالم ما شهدته دارفور من فظائع.
لقد وثقت المحكمة الجنائية الدولية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في دارفور، وأدانت في عام 2025 علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم «علي كوشيب»، في 27 تهمة، قبل أن تحكم عليه بالسجن عشرين عاماً.
لكن استدعاء تاريخ الجنجويد في الخطاب السياسي الحالي يفتح، في المقابل، باباً آخر لا يقل أهمية:
ماذا عن تاريخ التحالفات نفسها؟
فالدعم السريع لم يهبط على المشهد السوداني من فراغ.
لقد خرج من رحم منظومة أمنية وعسكرية تشكلت خلال حرب دارفور، وكانت شخصيات وقيادات مرتبطة بتلك المنظومة جزءاً من المشهد الذي واجه الحركات المسلحة في دارفور.
وكان محمد حمدان دقلو، حميدتي، نفسه جزءاً من ذلك التاريخ، كما كان موسى هلال أحد أبرز رموز الجنجويد في تلك المرحلة.
ثم دارت عجلة التاريخ.
انقلبت التحالفات.
وأصبح حميدتي في مواجهة الجيش، بينما أصبح موسى هلال في معسكر مختلف، وأصبح بعض من كانوا بالأمس جزءاً من منظومة واحدة في خنادق متقابلة.
وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الحرب السودانية قسوة:
لم تتغير فقط أطراف الحرب؛ تغيرت مواقع الأطراف نفسها.
The Reversal of Alliances
في السودان، لا يكفي أن نقرأ الحرب من خلال خريطة اليوم.
فالخريطة الحالية تخفي وراءها تاريخاً طويلاً من التحالفات والانشقاقات وإعادة تشكيل القوات وتبدل الولاءات.
ومن هنا فإن استدعاء جرائم الأمس لا ينبغي أن يكون انتقائياً.
فالعدالة لا تتغير بتغير الخندق.
والانتهاك لا يصبح أقل فظاعة لأن مرتكبه أصبح حليفاً سياسياً أو عسكرياً.
والجريمة لا ينبغي أن تتحول إلى ورقة تستخدم ضد الخصم وتُطوى عندما يصبح صاحبها جزءاً من المعسكر نفسه.
هذه ليست دعوة إلى مساواة قانونية بين الوقائع المختلفة، ولا إلى تبرئة أي طرف أو إدانة طرف آخر دون أدلة؛ وإنما هي دعوة إلى معيار واحد للمساءلة.
فالسلام المستدام لا يمكن أن يقوم على انتقائية الذاكرة.
وماذا بعد الحرب؟
ربما تكون أهم نقطة إيجابية في مقال البرهان هي أنه يتحدث، بوضوح أكبر من السابق، عن السودان الذي يأتي بعد الحرب.
سودان مدني.
جيش واحد.
انتخابات.
دولة ذات مؤسسات.
لكن هذه الأهداف لن تتحقق بمجرد إعلانها.
فالانتقال المدني يحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية تسمح به، والانتخابات تحتاج إلى دولة مستقرة ومؤسسات محايدة، والجيش الواحد يحتاج إلى ترتيبات أمنية وسياسية معقدة، والمصالحة تحتاج إلى عدالة ومساءلة.
وقبل كل ذلك:
يحتاج السودان إلى وقف الحرب.
ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لأي مبادرة أو خطاب سياسي ليس في جمال ما يقوله عن المستقبل، وإنما في قدرته على الإجابة عن السؤال الأصعب:
كيف نوقف إطلاق النار الآن؟
لا غداً.
لا بعد الحسم.
لا بعد استسلام طرف.
الآن.
ثم نضع السلاح جانباً، ونفتح باب السياسة، ونترك للسودانيين مهمة تحديد شكل دولتهم ومستقبلها.
أما أن نطالب بالسلام ونضع في الوقت نفسه شروطاً تجعل الوصول إليه مرهوناً بتحقيق أهداف الحرب، فهذه هي بالضبط:
عقدة المنشار.
والسودان، بعد كل هذه الدماء، لم يعد يحتمل أن تتحول اللغة الإيجابية عن السلام إلى مجرد محطة جديدة في طريق الحرب.
The Reversal of Alliances يجب ألا يقود إلى Reversal of Principles.
*فالمطلوب ليس فقط أن تتبدل التحالفات.*
*المطلوب أن تتبدل قواعد اللعبة نفسها*







إرسال تعليق