شركة الأقطان أمام امتحان العودة إلى قلب الاقتصاد

  • بتاريخ : 29 سبتمبر، 2026 - 6:21 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم / ياسر أبوريدة

    ليس المهم أن تبدأ شركة السودان للأقطان اجتماعها الأول باختيار رئيس لمجلس إدارتها، فاختيار الدكتور أحمد محجوب رئيساً للمجلس، بتوافق أعضائه، هو بداية إدارية طبيعية. لكن الأهم هو ما سيحدث بعد أن تنتهي الاجتماعات وتُغلق القاعات وتُكتب الخطط على الورق.

    القطن السوداني لا يحتاج إلى مزيد من العناوين الكبيرة بقدر ما يحتاج إلى إدارة تعرف قيمة الأرض والمزارع والسوق والمحلج والتمويل. ولذلك فإن الحديث عن إصلاح مؤسسي ومعالجة النظم واللوائح وحصر الأصول وإعادة تأهيل المحالج، ثم بناء شراكات للتمويل تستهدف زراعة مليون فدان في القطاعين المروي والمطري، يضع مجلس الإدارة الجديد أمام اختبار حقيقي لا يحتمل التأجيل.

    فالقطن ليس مجرد محصول موسمي؛ إنه سلسلة اقتصادية تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند الحصاد. المزارع يريد مدخلات وتمويلاً في الوقت المناسب، وماءً يصل إلى الحقل، وسعراً عادلاً، وتسويقاً واضحاً، والدولة تحتاج إلى إنتاج وصادرات وقيمة مضافة، والشركة تحتاج إلى أن تستعيد دورها في هذه السلسلة بعيداً عن التعقيدات الإدارية التي عطلت كثيراً من مؤسساتنا الزراعية.

    ومن هنا فإن تأهيل المحالج يجب ألا يكون بنداً ثانوياً في الخطة، لأن المحلج جزء من اقتصاد القطن وليس مجرد مبنى ومعدات. كما أن الصناعات التحويلية المرتبطة بالقطن يمكن أن تفتح أبواباً أوسع للقيمة المضافة بدلاً من الاكتفاء بإنتاج الخام وترك العائد الأكبر لأسواق أخرى.

    لكن الوصول إلى مليون فدان ليس شعاراً يُرفع، وإنما مشروع دولة يحتاج إلى تمويل حقيقي، وإدارة محترفة، وتنسيق فعلي بين الأقطان والجهات الزراعية والتمويلية والمزارعين، وخطة زمنية واضحة يمكن قياس نتائجها ومحاسبة المسؤولين عنها.

    والأهم من ذلك كله أن تكون عودة شركة الأقطان عودة إلى المزارع أولاً. فنجاح الشركة لا يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بعدد اللوائح التي تُراجع، وإنما بما يحدث في الحواشة كم فداناً زُرع؟ كم مزارعاً حصل على التمويل؟ كم محلجاً عاد للعمل؟ كم طن قطن أُنتج؟ وكم قيمة مضافة دخلت الاقتصاد السوداني؟

    الدكتور أحمد محجوب ومجلس الإدارة الجديد أمام فرصة لإعادة بناء الثقة في مؤسسة ارتبط اسمها تاريخياً بمحصول كان واحداً من أهم أعمدة الاقتصاد السوداني. والفرصة هنا أكبر من تغيير مجلس أو اختيار رئيس؛ إنها فرصة لإعادة ترتيب علاقة المؤسسة بالمزارع والإنتاج والسوق.

    السودان لا تنقصه الأرض، ولا الخبرات، ولا تاريخ طويل مع القطن. ما ينقصه هو أن تتحول الخطط إلى عمل، والاجتماعات إلى قرارات، والقرارات إلى إنتاج.

    فإذا عادت الأقطان إلى الحوشات، عاد القطن إلى الاقتصاد.