بقلم/ د. مختار خضر بشراب
ثمة مفارقة تستحق التأمل في الحضور السوداني خارج الوطن: كفاءة واسعة، وحضور لا يوازيها. ففي الطب والهندسة والتعليم والإدارة والاقتصاد والتقنية والبحث العلمي، صنع سودانيون لأنفسهم مواقع مهنية محترمة في بيئات شديدة التنافس، وتركوا تجارب تستحق أن تُعرف. ومع ذلك، بقي كثير من هذه النجاحات محصورًا في أصحابها ومؤسساتهم، ولم يتحول بالقدر الكافي إلى صورة أوسع عن الكفاءة السودانية في العالم.
فهل المشكلة في أن العالم لم يرَ ما لدينا، أم أننا لم نحسن بعد أن نضع كفاءتنا في مرآة الواجهة؟
ربما يعود بعض ذلك إلى ثقافة تربينا فيها على أن خلي عملك يتكلم عنك وأن الحديث عن الإنجاز قد يقترب من التفاخر. وهي قيمة نبيلة حين تحمي الإنسان من الغرور، لكنها تصبح عبئًا حين تتحول إلى صمت مهني. فالتواضع لا يعني الاختفاء، كما أن الثقة فيما نملك لا تعني أن ندّعي أننا أفضل من الآخرين.
وهنا تكمن المفارقة السودانية: بعض الشعوب غيرنا تسمع لها جعجعة ولا ترى طحينًا؛ ونحن، في أحيان كثيرة، نملك الطحين ونترك الجعجعة لغيرنا. وليس المطلوب أن نتعلم الضجيج أو المبالغة، وإنما أن نتعلم كيف يكون حضورنا متناسبًا مع ما نملك.
فالتسويق، في هذا السياق، ليس دعاية للنفس ولا استعراضًا للإنجاز؛ بل أن تكون حاضرًا في المكان الذي يمكن أن تُعرف فيه كفاءتك، وأن يعرف الآخرون ما تستطيع أن تضيفه حين تكون هناك حاجة حقيقية إليك.
في الثقافة السودانية، يُنظر إلى من يكثر من الحديث عن نفسه بشيء من الريبة، بينما يحظى المتواضع الصامت باحترام خاص. وهذه خصلة جميلة في الحياة الاجتماعية، لكنها تحتاج إلى توازن في الحياة المهنية. فالصمت ليس دائمًا تواضعًا، كما أن الحديث عن الذات ليس دائمًا تفاخرًا.
التفاخر يقول: انظروا إليّ؛ أما الحضور المهني فيقول: إذا احتجتم إلى هذه الخبرة، فستجدونني هنا.
لذلك لا نحتاج إلى تحويل كل سوداني إلى مسوّق لنفسه، بقدر ما نحتاج إلى أن يعرف السودانيون بعضهم مهنيًا كما يعرفون بعضهم اجتماعيًا.
قد يبدأ الأمر بعلاقة بسيطة: طبيب يعرّف زميلًا إلى مؤسسة، وباحث يصل باحثًا بفريق علمي، ومهندس يخبر زميلًا بفرصة مناسبة، وخبير يفتح بابًا لشاب. أفعال صغيرة، لكنها قد تغير مسارًا مهنيًا كاملًا.
ومن هنا يمكن أن تبدأ الفكرة الجماعية دون مؤسسات ضخمة: مجموعة صغيرة من الأطباء السودانيين، وأخرى من المهندسين، وثالثة من الباحثين، ورابعة من رواد الأعمال. يتعارفون مهنيًا، ويتبادلون المعلومات والفرص، ويساعد بعضهم بعضًا في الوصول إلى الشخص المناسب. ثم تتصل هذه الدوائر تدريجيًا، فتتكون شبكة مهنية سودانية عابرة للحدود.
ولا تحتاج البداية إلى أكثر من خمسة أو عشرة أشخاص في مجال واحد: لقاء دوري قصير، قائمة مهنية بسيطة، وتبادل للفرص والخبرات. وإذا نجحت الفكرة في تخصص، انتقلت إلى غيره. هكذا تنمو الشبكة من أسفل إلى أعلى، بالعلاقة والثقة، لا بالشعارات.
ويأتي الاهتمام بالمظهر والسلوك في مكانه الطبيعي. فالهندام المناسب، والنظافة، وطريقة الحديث، واحترام الوقت، وحسن الاستماع، كلها تؤثر في الانطباع الأول. لا تصنع هذه الأشياء الكفاءة، لكنها قد تمنحها فرصة الظهور. المظهر يترك الانطباع الأول، والسلوك يعزز الثقة، أما الكفاءة فهي التي تصنع القيمة.
وفي زمن تتشكل فيه العلاقات الأولى أحيانًا عبر شاشة، أصبح للحضور الرقمي مكانه أيضًا. ليس المطلوب أن يصبح الجميع مشاهير، وإنما أن تكون للإنسان نافذة مهنية واضحة: اسم، تخصص، وسيلة تواصل، ومشاركة تعكس اهتمامه وخبرته. مجرد أن يجدك من يبحث عنك قد يكون بداية علاقة جديدة.
الحنين الذي يتحول إلى عمل
لكن ثمة خيطًا آخر لا ينبغي أن نغفله، وهو الحنين.
نحن السودانيين نحمل الوطن معنا بطريقة تكاد تكون جزءًا من هويتنا اليومية. نستعيده في الأغنية، وفي رائحة الطعام، وفي أسماء الأماكن، وفي حكايات الطفولة، وفي الوجوه التي تباعدت بها المسافات. والحنين في ذاته ليس مشكلة؛ بل هو أحد أشكال استمرار العلاقة بالمكان حين يعجز الجسد عن العودة إليه.
لكن الحنين يمكن أن يبقى مجرد ذاكرة، ويمكن أن يتحول إلى طاقة.
المشكلة ليست في أن نشتاق إلى السودان؛ بل في أن يصبح الاشتياق هو آخر ما نفعله تجاهه. أن نتذكر النيل، والأحياء القديمة، والمدرسة، والشارع، والأهل، ثم نغلق الحكاية عند الصورة والدمعة. الحنين الأعمق هو الذي يسأل بعد الذكرى: ماذا أستطيع أن أفعل بما تعلمته بعيدًا عن الوطن؟
فالمهندس السوداني الذي اكتسب خبرة في مدينة عالمية يستطيع أن يحمل شيئًا منها إلى زميل في السودان أو إلى شاب في بداية الطريق. والطبيب الذي يعمل في منظومة صحية متقدمة يستطيع أن يشارك معرفة أو تجربة. والباحث يستطيع أن يفتح بابًا لجامعة أو فريق بحث. ورجل الأعمال يستطيع أن يربط فرصة بسوق أو شريك. هكذا يصبح الاغتراب، رغم قسوته، مساحة لاكتساب رأس مال معرفي يمكن أن يعود نفعه إلى الوطن.
وهنا تلتقي مسألة التسويق بالحنين في نقطة عميقة: حين نُعرّف العالم بكفاءتنا، فنحن لا نعرض أنفسنا فقط؛ نحن نوسع المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها اسم السودان.
فكل سوداني ناجح يمكن أن يكون نقطة اتصال، وكل علاقة مهنية يمكن أن تكون جسرًا، وكل معرفة جديدة يمكن أن تعود بفائدة على شخص آخر. وربما لهذا فإن السؤال ليس: كيف نسوّق أنفسنا؟ فقط، وإنما أيضًا: كيف نجعل نجاحاتنا المتفرقة تعمل معًا؟
من نجاحات فردية إلى ذاكرة جماعية
لماذا لا يصبح نجاح السوداني خبرًا عن السودان أيضًا؟
لماذا نعرف أن طبيبًا سودانيًا نجح في مستشفى عالمي، أو أن باحثًا نشر بحثًا مهمًا، أو أن مهندسًا شارك في مشروع كبير، ثم تظل القصة محصورة في دائرة ضيقة؟ لماذا لا تصبح هذه التجارب جزءًا من ذاكرة مهنية سودانية يعرفها الجيل الجديد ويستفيد منها؟
المجتمعات لا تبني حضورها العالمي بكثرة الناجحين فقط، بل بقدرتها على ربطهم، وتبادل خبراتهم، وفتح الطريق لمن يأتي بعدهم.
ولعل المسألة أعمق من مهارة في التسويق. إنها تتصل بالطريقة التي ننظر بها إلى النجاح. فقد ورثنا ثقافة تُقدّر التواضع، وتتحفظ على من يضع نفسه في الواجهة، وتمنح الجماعة مكانة كبيرة. وهي قيم أسهمت في تماسك المجتمع، لكنها قد تجعل الإنسان يخشى أن يُرى حتى حين يستحق أن يُرى.
المطلوب ليس أن نتخلى عن تواضعنا، وإنما أن نعيد تعريفه. فالتواضع الذي يحفظ للإنسان قدره فضيلة، أما الذي يمحو أثره ويحجب فائدته عن الآخرين فليس فضيلة بالضرورة.
وكذلك لا ينبغي أن يتحول الاهتمام بصورة السوداني إلى محاولة لإثبات أنه أفضل من غيره. العالم لا يحتاج إلى هذه المقارنات. ما يهم هو أن يعرف ماذا يستطيع السوداني أن يقدم، وأن يجد الإنسان المناسب حين يحتاج إليه. الحضور المحترم لا يقوم على الادعاء، بل على القيمة والعلاقة والثقة.
ولهذا يمكن أن يبدأ التغيير من أشياء بسيطة: أن نعرّف بعضنا ببعض، أن نفتح بابًا لمن نعرف كفاءته، أن نشارك فرصة بدل أن نحتكرها، وأن نحتفي بنجاح سوداني باعتباره إضافة إلى رصيدنا المشترك.
يمكن لكل واحد منا أن يفعل شيئًا واحدًا هذا الأسبوع: أن يعرّف سودانيًا بكفاءة يعرفها، أو يفتح بابًا لشاب، أو يربط شخصين يمكن أن يتعاونا. قد يبدو الفعل صغيرًا، لكنه إذا تكرر أصبح ثقافة، وإذا اتسعت الثقافة أصبحت شبكة، وإذا نمت الشبكة أصبح لها أثر يتجاوز الأفراد.
وهذا ربما هو الشكل الأكثر صدقًا للتسويق الذي نحتاجه: أن نكون جسورًا لبعضنا، لا أبواقًا لأنفسنا.
لقد اعتدنا أن نقول: لي عملك يتكلم عن. وربما حان الوقت لأن نضيف: وخلي الناس تعرف أين تجد هذا العمل.
فالسودان لا يحتاج إلى صورة أكبر من حقيقته؛ يحتاج إلى أن تصبح حقيقته مرئية، متصلة، وقابلة للوصول.
والحنين نفسه يمكن أن يأخذ معنى آخر: لا أن نبقى أسرى لصورة السودان التي في ذاكرتنا، بل أن نحول ما نحمله من محبة وذكريات وخبرات إلى شيء يفيد السودان الذي سيأتي.
أن نرى بعضنا، وأن نعرّف بعضنا، وأن نفتح الطريق لبعضنا؛ ربما يكون ذلك أول الطريق إلى أن يرانا العالم كما نحن، لا كما تركناه يتخيلنا.
وربما هنا نحتاج إلى مرآة مختلفة؛ لا مرآة نبحث فيها عن صورتنا لنعجب بها، وإنما مرآة نرى فيها ما يمكن أن نضيفه إلى العالم، وما يمكن أن نعيده إلى وطننا.
فالوطن لا يعيش في الحنين وحده؛ يعيش أيضًا فيما نفعله بهذا الحنين.
نحن لا نحتاج إلى جعجعة أكثر، ولا إلى طحين أكثر؛ نحتاج فقط إلى أن يصل الطحين إلى المكان الذي يحتاج إليه.







إرسال تعليق