كانت أيام يا وطني… حين يصبح الحنين دعوة إلى بناء السودان

  • بتاريخ : 28 سبتمبر، 2026 - 5:26 م
  • الزيارات : 1
  • بقلم: د. مختار بشراب

    هناك أغانٍ نسمعها ثم تنتهي، وأخرى لا تنتهي بانتهاء اللحن؛ تبقى في مكان عميق من الذاكرة، وتعيد إلينا شارعًا قديمًا، وبيتًا تركناه، ووجوهًا غابت، وضحكات الأهل والأصدقاء، ورائحة الأرض بعد المطر. ومن هذا النوع تأتي «كانت أيام يا وطني»؛ أغنية لا تستدعي الماضي فقط، بل تفتح أمامنا سؤالًا عن السودان الذي عرفناه، والسودان الذي نريد أن نصنعه.
    لم يكن ذلك السودان وطنًا كاملًا أو خاليًا من الأزمات. كانت له مشكلاته وفقره وصراعاته. لكن الحياة اليومية كانت تحمل شيئًا يصعب قياسه بالأرقام: دفء العلاقات الإنسانية. كانت الأسرة والجيرة والصداقة واللمة، وفنجان القهوة الذي يطول معه الكلام، والحِلّة التي يعرف أهلها بعضهم بعضًا، والوقفة مع الزول في وقت الشدة، تمنح الإنسان إحساسًا بأنه جزء من جماعة لا تتركه وحده.
    ربما لهذا يؤلمنا الحنين. ليس لأن الماضي كان كاملًا، وإنما لأننا نكتشف، بعد المسافة، قيمة أشياء اعتدنا وجودها حتى ظننا أنها ستبقى دائمًا.
    لكن الحنين وحده لا يكفي. فالماضي لا يعود، ولا ينبغي أن يتحول إلى صورة نعيش داخلها. قيمته الحقيقية أنه يساعدنا على معرفة ما الذي يستحق أن نحمله معنا إلى المستقبل: الكرم، والمروءة، والوفاء، واحترام الإنسان، وروح الجيرة والتكافل، ثم نمنح هذه القيم أدوات جديدة تليق بزمن جديد.
    فالسودان لا تنقصه الإمكانات وحدها؛ التحدي الحقيقي هو تحويل الإمكانات إلى حياة. الأرض والمياه والثروات والموارد البشرية تصبح قوة حين تتحول إلى إنتاج ومعرفة وفرص عمل ومؤسسات قادرة على خدمة الناس. والشباب لا يحتاجون فقط إلى أن نطلب منهم الصبر؛ يحتاجون إلى تعليم جيد، وفرص حقيقية، ومساحة يبتكرون فيها ويصنعون مستقبلهم.
    وهذا أكبر من أن تحمله حكومة وحدها أو مؤسسة وحدها. إنه عمل أجيال. ومن هنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا: ماذا سنترك نحن؟
    ولا يعني البعد عن السودان غيابًا عنه. فالسوداني الذي يعمل في جامعة أو شركة أو مركز بحث أو مشروع في أي مكان من العالم يستطيع أن يمد وطنه بخبرة أو معرفة أو شراكة أو فرصة. وقد يكون ما يقدمه شاب لزميل له في السودان، أو مشروع صغير يخلق وظيفة، أو معرفة تتحول إلى حل، أكثر قيمة من ألف حديث عن حب الوطن.
    أما أبناء الجيل الجديد، فلا نريدهم أن يعيشوا السودان الذي عشناه نحن. نريدهم أن يعرفوه، نعم، لكن نريدهم أيضًا أن يتجاوزوا ما أخفقنا فيه، وأن يبنوا السودان الذي يناسب عصرهم. الماضي ذاكرتنا، أما المستقبل فمسؤوليتهم ومسؤوليتنا معهم.
    وهنا تصبح كانت أيام يا وطني أكثر من أغنية عن زمن مضى. إنها فرصة لأن نسأل أنفسنا: ماذا ستكون أيامك القادمة يا وطني؟
    بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، لن يكون مهمًا فقط ماذا قلنا عن السودان، بل ماذا فعلنا له. ماذا بنينا؟ ماذا علّمنا؟ كم فرصة صنعنا؟ كم شابًا أعطيناه طريقًا؟ وكم قيمة جميلة أخذناها من زمننا الجميل وأعدناها إلى الحياة في صورة جديدة؟
    ربما تكون أجمل طريقة لنقول كانت أيام يا وطني ألا نبقى أسرى لها، بل أن نجعلها بدايةً لشيء جديد. أن نأخذ من الماضي روحه، ومن الحاضر شجاعته، ومن المستقبل أدواته.

    ولعل قيمة الحنين إلى السودان لا تكمن في استعادة الماضي كما كان، وإنما في مساعدتنا على فهم ما الذي جعل بعض تفاصيله جديرة بالبقاء في الذاكرة؛ دفء الأسرة، وروح الجيرة، واللمة، والتكافل، والوقفة مع الزول، وغيرها من القيم التي شكلت جانبًا مهمًا من النسيج الاجتماعي السوداني. فالحنين، بهذا المعنى، ليس مجرد استرجاع عاطفي، بل يمكن أن يصبح مدخلًا للتأمل في العناصر الاجتماعية والثقافية التي نريد الحفاظ عليها وتطويرها.
    ومن هنا لا يكون الهدف إعادة إنتاج الماضي، وإنما استخلاص أفضل ما فيه وإعادة توظيفه في بناء المستقبل؛ فالمجتمع الحديث يستطيع أن يجمع بين هذه القيم وبين العلم والمعرفة والتقنية والمؤسسات الحديثة، بحيث لا تبقى الذاكرة مجرد صورة جميلة لما مضى، بل تتحول إلى مورد من موارد بناء الإنسان والمجتمع.
    ولذلك، ربما يكون السؤال الأهم ليس: كيف نستعيد السودان الذي كان؟ وإنما: كيف نبني سودانًا جديدًا يحتفظ بأجمل ما في تجربته، ويمنح الأجيال القادمة فرصًا أوسع للحياة والعمل والإبداع؟
    عندها تصبح عبارة كانت أيام يا وطني أكثر من استعادة لزمن مضى؛ تصبح نقطة تأمل في علاقتنا بالوطن، وجسرًا بين ذاكرة نعتز بها ومستقبل نشارك جميعًا في صناعته.