بقلم: م. م. الإمام عبداللطيف الإمام
هل يمكن أن تعود بنا الذاكرة نصف قرن إلى الوراء، فنمشي مرة أخرى في شوارع الخرطوم في بداية السبعينيات؟ نسمع أصواتها، ونرى وجوهها، ونتذكر مقاهيها وسينماتها ومواصلاتها، ونستعيد تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع حياة مدينة كاملة؟
ربما لا تستطيع الذاكرة أن تعيد الزمن، لكنها تستطيع أن تفتح لنا نافذة عليه.
في صدر السبعينيات، كانت البلاد تعيش إيقاعاً مختلفاً. كانت الأغاني تملأ البيوت، وكان الناس يرددون: «ما دوّامة، الله هوي الدنيا ما دوّامة»، وتتردد المدائح في المجالس: «السراي، السراي، جافوا النوم وعقدوا الراي». وكان لمساء الخميس طقوسه الخاصة.
*شاشة تجمعنا..*
يجتمع أفراد الأسرة حول التلفزيون لمشاهدة فيلم السهرة بالأبيض والأسود، بأبطال السينما المصرية أمثال رشدي أباظة وحسن يوسف وفاتن حمامة. بينما كان تلفزيون السودان يقدم للمشاهدين مزيجاً من البرامج المحلية والأجنبية؛ «أوبريت القروية»، ورسومات إدموند منير المضحكة، و«صور شعبية» للطيب محمد الطيب، و«طبيعة الأشياء» مع الدكتور محمد عبدالله الريح، وبرامج الصلحي والفنون الجميلة، و _«فرسان في الميدان»، إلى جانب المسلسلات الأجنبية التي كانت تجذب جمهوراً واسعاً، مثل «الهارب» و«فريق التحري» و«القديس» و«الغزاة» و«القاهرون» و«بيتون بليس».
*السينما.. موعد ولقاء*
وكانت السينما عالماً آخر ينتظر الناس مساءاته. هناك «ذهب مع الريح»، و«قصة حب» بطولة رايان أونيل وآلي ماغرو، وأفلام سيدني بواتييه، مثل «ضيف على العشاء» و«مسحة حزن» و«زنابق الحقول» و«حرارة الليل»، وأفلام جيمس بوند مع شون كونري، وأفلام رعاة البقر التي ارتبطت باسم كلينت إيستوود. كانت السينما يومها أكثر من شاشة؛ كانت موعداً ولقاءً وحديثاً يمتد إلى اليوم التالي.
*مقاهي ومسارح وخرطوم تسهر*
والخرطوم نفسها كانت مسرحاً مفتوحاً للحياة. كان الجلوس في المسطبة الشمالية لفندق السودان له مذاقه الخاص؛ مرطبات، ونسمة المساء، وموسيقى القرب الأسكتلندية التي يعزفها أفراد سلاح الموسيقى.
وكان مقهى «آتيني» في شارع الجمهورية واحداً من الأماكن التي تمنح المساء طعمه الخاص؛ عصير جوافة باللبن والثلج بالخلاط، وآيس كريم مستورد، وأحاديث لا تنتهي، إلى جانب *قهوة يوسف الفكي* التي كانت بمثابة برلمان شعبي مفتوح، يلتقي فيها المثقفون والسياسيون وأهل الفن والصحافة، ولا تنقطع فيها الندوة والنقاش.
وفي المقرن كانت هناك صالة «كريزي هورس»، و _صالة GMH (قوردون ميوزك هول ) الشهيرة التي كانت تستقبل كبار الفنانين وحفلاتها لا تُنسى، وسهرات السطوح في فندق صحارى، حيث الموسيقى والفرق التي صنعت جزءاً من ذاكرة تلك المرحلة، ومنها عامر ساكس، وفرقة البلوستارز، وكمال كيلة، ووليام أندريا.
وكان يوم الجمعة يحمل هو الآخر برنامجه الخاص؛ لمّة الأسرة حول فطور الجمعة الشهي والمميز، وزيارات الأهل والأحباب، والأسواق الخيرية في حدائق المقرن، وحديقة الحيوانات التي كانت ملتقى للعائلات والعشاق، ورحلات السقاي وجبل أولياء، وجناين خور عمر، وغابة السنط.
*شوارع لا تنسى*
حتى المواصلات كانت لها حكايتها. بصات أبورجيلة الصفراء، وبصات الشركة ذات الخطوط الرمادية والبيضاء، وتكاسي الخرطوم الصفراء ذات الخط الأخضر الجانبي. وكانت الرحلة من المحطة الوسطى في أم درمان إلى الخرطوم، أو إلى بحري الشعبية، لا تتجاوز *خمسة قروش للفرد*.
وكانت شوارع العاصمة تعج بالبرنس والهِلْمان والهنتر والبيجو 404 و405 والموسكفيتش، أو «موسكوزفت» كما كان بعض الناس يسمونها، والفولجا الروسية التي تركت بصمتها في شوارع السودان.
*الخرطوم في السماء*
أما في السماء، فكانت الخرطوم
تبدو وكأنها أكثر قرباً من العالم. كانت «سودانير» تسيّر رحلاتها إلى القاهرة وبيروت وفرانكفورت ودمشق وإنجمينا وأديس أبابا ونيروبي وكانو ولاغوس وروما وأثينا ولندن هيثرو، وكانت طائرات الفوكرز تخدم الرحلات الداخلية، بينما كانت طائرات البوينج 707 تربط السودان بالوجهات الخارجية.
وكان مطار الخرطوم يستقبل أسماء كبيرة في عالم الطيران: إيروفلوت السوفيتية، و B.O.A.C، و SAS، ولوفتهانزا، وسويس إير، وبريتيش كاليدونيان، وأولمبيا اليونانية وغيرها.
وعلى الأرض كانت سكك حديد السودان حاضرة بقوة في حياة البلاد. وكان للسكة حديد عالمها الخاص، حتى إن «بيبسي السكة حديد» و«الليمونادا البتنفخ النخرين» بقيتا في الذاكرة كجزء من تفاصيل ذلك الزمن.
*كورة وفن وكتب*
وكانت الرياضة حاضرة في المشهد أيضاً؛ نادي سباق الخيل، والكشافة، والكشافة البحرية، وطلائع وكتائب مايو، والعروض العسكرية واحتفالات مايو. وكان «توتو كورة» له جمهوره، وكانت تذاكره تُشترى من الأكشاك.
لكن ربما كان الفن هو أكثر ما منح الخرطوم روحها. سهام، وليلى المغربي، وصفاء الأمين، وأحمد سليمان ضوالبيت، وعبدالكريم قباني، وعمر الجزلي، ومحمد خوجلي صالحين، والفاضل سعيد، وأحمد المصطفى، وأبو داؤود، وأبو عفان، وأمير العود، والتاج مصطفى، وكابلي، ووردي.
وفي المسرح القومي كانت تُعرض «أحلام الزمان» و«خطوبة سهير» و«التمر المسوس» و«نبتة حبيبتي»، بينما كان المسرح الجامعي بجامعة الخرطوم يقدم أعمالاً كبيرة مثل «أوديب الطاغية» و«هاملت».
وكانت الخرطوم مدينة قراءة وتجارة أيضاً. مكتبة الحرية، مكتبة أم درمان الوطنية، مكتبة عكاشة، «سودان بوكشوب»، ومحلات مرهج وبيطار وسودان ميركينتايل وموريس غولدبيرغ وبنيامين للأصواف الإنجليزية الفاخرة.
*الطعام.. ذاكرة أخري*
أما الطعام، فله هو الآخر نصيب من الذاكرة. الجندول، وسمك السوكي المحمر، و _مطعم أسماك البربري_ الذي كان مقصداً لعشاق السمك الطازج، وأبو عرام للفول والمخللات والطرشي والطعمية، وطعمية أم سمير. أسماء قد تبدو عادية اليوم، لكنها بالنسبة لمن عاش تلك الأيام ليست مجرد مطاعم ومحلات؛ إنها روائح وأصوات ووجوه وذكريات.
*الخلاصة*
وحين نستعيد كل ذلك اليوم، ندرك أننا لا نحكي عن سيارات قديمة، ولا عن أفلام أبيض وأسود، ولا عن بصات صفراء.
نحن نحكي عن مدينة كانت تعرف كيف تعيش.
مدينة كان التلفزيون فيها يجمع الأسرة، والسينما تجمع الأصدقاء، والمقهى يجمع المختلفين، والمسرح يصنع الحوار، والمكتبة تفتح نافذة على العالم، والقطار يربط أطراف الوطن، والطائرة تربط السودان بالعواصم.
كانت الخرطوم أقل عمراناً، لكنها كانت أكثر حياة. أقل ضجيجاً، لكنها كانت أكثر فرحاً. أقل اتساعاً، لكنها كانت أكثر اتصالاً بالعالم.
فالأمم لا تتقدم بكثرة المباني وحدها، وإنما بما تنتجه من ثقافة وفن ومعرفة، وبما تمنحه لأبنائها من طمأنينة وبهجة.
وربما لهذا السبب، كلما سمع أبناء ذلك الجيل: «ما دوّامة، الله هوي الدنيا ما دوّامة» لا يتذكرون أغنية فقط، بل يتذكرون خرطوماً أخرى… خرطوماً كانت تعرف كيف تفرح، وكيف تغني، وكيف تستقبل الغريب، وكيف تصنع لنفسها حياة.
تلك كانت الخرطوم… وتلك كانت حكاية جيلٍ كامل.
جيل لا يزال كلما مرّ بشارع الجمهورية، أو سمع صوت قطار بعيد، أو لمح طائرة في سماء الخرطوم، يقول في سره، بحسرة ومحبة في آنٍ واحد:
*حليل الدنيا… وحليل أيام زمان.*







إرسال تعليق