متى تنصف “الدندر” مولانا أمبلي بابكر (1- 2)

  • بتاريخ : 11 أغسطس، 2026 - 5:40 م
  • الزيارات : 14
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    لم أر شخصًا انطبقت عليه مقولة :” لا كرامة لنبي وسط قومه، أكثر مما انطبقت على مولانا أمبلي بابكر أحمد (أباحميد)، قاضي المحكمة العليا القومية الأسبق، ومؤسس محكمة الدندر، رجل القضاء المحايد، والمصلح الإجتماعي من الطراز الأول، كما وصفه رئيس القضاء الأسبق مولانا عبيد حاج علي، كيف لا وهو الذي عينه كأول رئيس لمحكمة الدندر التي أسسها مولانا أمبلي بنفسه وبجهدٍ خارق مطلع التسعينات، رغم العثرات والعراقيل والأشواك التي وُضعت في طريقه آنذاك..
    ورغم كل العطاء والتفاني في خدمة أهله فقد ظلمه مجتمعه وأهله كأنهم لم يدركوا عظيم بلائه، ولا دوره الكبير، فلم يقدروه حق قدره،
    تمامًا كما يقال في المثل العربي : “زامر الحي لايطرب”.. حقًا لا كرامة لنبي وسط قومه.. الحديث عن مولانا أمبلي الذي تقاعد لسن المعاش قبل بضعة أعوام، يحتاج إلى الكثير من الحلقات لنحيط بالقليل عن سيرته الذاتية الباذخة وعطاءه الكبير لبلاده السودان وولايته سنار، ومحليته الدندر، ومؤهلاته المشرفة، ودوره وانجازاته، وحياته الاجتماعية الفريدة، التي طرزها التواضع والبساطة والحكمة، وحب المساكين والبسطاء..
    (2)
    قبل أن نستعرض الدور الكبير المتعاظم الذي لعبه مولانا أمبلي في الترسيخ للعدالة، وبتر الأذرع الأخطبوطية للفساد والتي كان تلِفْ مجتمع الدندر في التسعينات، وقبل أن نتوقف في محطات مشرقة تشكل نماذج للنزاهة والإستقامة، والعدالة والحياد للقاضي المحترم إبن الدندر “أمبلي بابكر” قاضي المحكمة القومية العليا، قبل كل ذلك لابد أن نعترف كجهات رسمية وشعبية أننا ظلمنا مولانا امبلي ظلمًا واضحًا يستبينه كل ذي عقل وبصيرة…
    ظلمناه حين عدل بيننا، وظلمناه حين لم نعطه قدره وحقه المستحق من العرفان بدوره الكبير في التأسيس للعدالة، والتمكين للقانون بمنطقة الدندر، وظلمناه حين لم نذكر دوره الكبير في مكافحة الرزيلة وتنظيف المجتمع، ومعالجته من أمراض إجتماعية قاتلة في هدوء تام وفقًا للقانون، إذ لم نذكر ذلك ولم نعبر عنه عرفانا بما يليق…
    وظلمناه حينما نقوم في كل مرة بتكريم “أناس” ليس لهم دور ملموس ولانفيلة ولا إنجاز معروف، نغدق عليهم الأموال، والعقارات وقِطع الأراضي السكنية والتجارية المميزة، تكريمًا لأدوارٍ لم يحسها احد، ولم نرَ لها أثرًا طيبًا كالذي تركه مولانا…أناس يتم تكريمهم والإحتفاء بهم لإنجازات وهمية أقل بكثير مما تستوجبه الوظيفة والواجب، ولم ينجزوا معشار ما أنجز مولانا أمبلي اجتماعيا.. نظلمه كثيرًا حينما نحتفي بآخرين لا نعلم لهم إنجازًا يستحق التكريم، في حين يتم تجاهل أهل الإنجاز الحقيقي، والادوار الكبرى، والأداء المميز والتأريخ الناصع، مثل الذي تركه لنا مولانا امبلي..ونحن إذ ننادي بتكريمه ليس لأنه كان قاضيا محايدا بل لدوره الإصلاحي وترسيخه وتأسيسه للعدالة والقانون والقيام بما عجزت عنه الحكومة وقتها..
    (3)
    في مطلع التسعينات كان انتشار الرزيلة وجرائم النظام العام، وجرائم النهب وقُطاع الطرق وسرقة الماشية، وجرائم “السالف” والتعديات الخطيرة على الحياة البرية، كانت تأخذ بخناق منطقة الدندر وتهدد أمنها وسلمها، مما شكل هاجسًا أمنيًا بالمنطقة، واصبح المواطن لا يأمن في داره وماله وعرضه..
    في هذه الأثناء جيء بمولانا امبلي للمنطقة في إطار التنقلات العادية، فوجد أن الدندر تحتاج إلى جهد خارق للقضاء على الفوضى العارمة والترسيخ للعدالة والقانون، او يستسلم ويتركها لتغرق في الفساد والرزيلة والجرائم الخطيرة، فانطلق في صمت، فأسس اول محكمة في الدندر، ونظم حملات النظام العام، واراق الخمور، وحاصر بيوت الدعارة، وأقام المحاكم الميدانية، ومازال الناس يذكرون العبارة الشهيرة (أمبلي كَبَسْ) ومع ذلك كان يمشي بينهم دون حراسة، ولا حذر ولا تحوطات لا يحرسه إلا إيمانه القوي بضرورة نظافة المجتمع واستقامته على الجادة، وحبه الشديد لمسقط رأسه وإزالة ما علق بها من شوائب وموبقات، وكان له ما أراد وعزم عليه…أمثل هذا المخلص يُجهل، ولايتم تكريمه بأعلى مستوى من التكريم، أم أن الأمور باتت تُوضع في غير موضعها، وعلى عكسها تمامًا..!!.
    (4)
    كان لمولانا أمبلي الدور الكبير في الإصلاح الإجتماعي والقانوني وترسيخ العدالة ومباديء القانون والحياد، وهذا ما شهد به وقتها رئيس القضاء في السودان مولانا عبيد حاج علي الذي قال أن مولانا امبلي نموذج فريد للقاضي المصلح الإجتماعي..
    وفي هذا الصدد يقول أيضا المحامي الشهير الأستاذ الفاتح حسن محمود أن مولانا أمبلي كتاب أبيض ناصع الصفحات، لا نعرف عنه إلا النزاهة والإستقامة والحياد..
    (5)
    في الحلقة القادمة نواصل الحديث عن مولانا امبلي بابكر أحمد ، وإنجازاته وأدواره الجليلة على مستوى السودان…
    اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.