بقلم/ د. الزبير حمزة الزبير
لم يكن النزوح بالنسبة لأهلنا في حلة ابراهيم ومناطق سكر سنار الاخري مجرد انتقال من مكان إلى آخر ولم تكن رحلتهم إلى القضارف رحلة عادية يمكن أن تقاس بالمسافة أو بعدد الساعات التي قضوها في الطريق بل كانت رحلة مليئة بالخوف والقلق والجوع والعطش والإرهاق فهم قد تركوا خلفهم بيوتهم وأراضيهم وذكرياتهم وأحبابهم وانطلقوا بحثاً عن مكان ليشعروا فيه بالأمان
بدأت معاناة نزوحهم عندما أصبحت الحياة في مناطقهم غير آمنة وأصبح بقاءهم في منازلهم مغامرة لا يعرفون نهايتها وكانوا يسمعون أصوات الخوف من حولهم ويرون الناس يغادرون واحداً تلو الآخر حتى جاء اليوم الذي لم يعد أمامهم فيه خيار سوى الرحيل بعد ان داهمتهم هذه المليشيا الغاشمة وهم عزل ولم يكن لديهم الوقت الكافي لجمع ممتلكاتهم ولم يستطيعوا أخذ كل ما يملكونه لذلك أخذ كل شخص منهم ما استطاع حمله وتركوا خلفهم أشياء كثيرة كانوا يعتقدون يوماً أننهم سيعيشون معها طوال العمر
خرجوا من ديارهم وهم لا يعرفون إلى أين سيقودهم الطريق كان همهم الأول هو النجاة والوصول إلى مكان آمن فحمل الآباء أطفالهم وحملت الأمهات ما استطعن من أغراض بسيطة بينما كان كبار السن يكافحون من أجل مواصلة الطريق رغم التعب والمرض
كانت الرحلة عبر الدمازين من أصعب مراحل النزوح فالطريق طويل ومتعب والظروف لم تكن سهلة كانوا نتحركون وسط أعداد كبيرة من النازحين وكل أسرة تحمل قصة مختلفة من الألم والفقد بعض الناس فقدوا منازلهم وبعضهم فقد مصدر رزقه وهناك من فقد أحد أفراد أسرته ومنهم من لم يعرف حتى مصير أقاربه الذين تفرقت بهم طرق النزوح
في الطريق كان الأطفال أكثر تأثراً بما يحدث فقد اعتادوا على حياة بسيطة وآمنة وفجأة وجدوا أنفسهم في رحلة لا يفهمون أسبابها بعضهم كان يسأل باستمرار متى سيصل أين سينام ومتى سيعود إلى البيت وكانت تلك الأسئلة مؤلمة بالنسبة للكبار لانهم لم تكن لديهم إجابات واضحة لها
عندما وصلوا إلى الدمازين استقبلهم اهلها بكل حفاوة وترحابدوبالذات ان كل اسرة منهم لها اهل بها قرابة ومصاهرة فانصهروا معهم .
ولكن البعض منهم حاول مواصلة النزوح الي القضارف عندما كثرت الشائعات التي تروج بين الحين والاخري بان المليشيا سوف تهاجم الدمازين ولكن هيهات لهم
ومن الدمازين واصلوا طريقهم باتجاه أم بَقَرة فكانت الرحلة مرهقة خصوصاً بالنسبة للأطفال والنساء وكبار السن ساعات طويلة من الانتظار والتنقل مع قلة الطعام والماء والخوف المستمر من المجهول فكانوا يتحركون بأقل الإمكانيات وكل ما يملكونه هو الأمل بأن يصلوا إلى القضارف ويجدون فيها مكاناً يستطيعون العيش فيه بسلام
كانت أم بَقَرة محطة أخرى من محطات المعاناة بالنسبة لهم حيث وجدوا فيها أعدادًا كبيرة من النازحين يعيشون ظروفاً صعبة وكل أسرة تحاول أن تجد لنفسها مكاناً يحميها من الحر والمطر لم يكن توفر الغذاء والماء أمراً مضموناً وكانت الاحتياجات أكبر بكثير من الإمكانيات المتاحة
في تلك الظروف، أدركوا أن النزوح ليس فقط فقدان المنزل وإنما فقدان الاستقرار والحياة الطبيعية فالإنسان عندما يترك بيته لا يترك الجدران فقط بل يترك الأرض التي اعتاد عليها والجيران والأصدقاء ومصدر رزقه والمدرسة التي كان يذهب إليها أطفاله والأماكن التي تحمل ذكريات عمر كامل.
وكان من أصعب ما واجهوه هو التفكير في المستقبل لا يعرفون متى ستنتهي الحرب ولا متى يتمكنوا من العودة إلى مناطقهم هل سيجدون بيوتهم كما تركوها هل سيجدون مزارعهم هل ستعود الحياة إلى طبيعتها أسئلة كثيرة ظلت ترافقهم في كل خطوة
أما الوصول إلى القضارف فلم يكن نهاية القصة بل كان بداية فصل جديد من حياة النزوح حيث وصلوا وهم منهكون جسدياً ونفسياً يحملون القليل من الأمتعة والكثير من الذكريات كانوا يبحثون عن مأوى وعن الطعام والماء وعن مكان يستطيع فيه أطفالهم النوم بعيداً عن الخوف
وكانت الأسر النازحة بحاجة إلى أكثر من المساعدة العاجلة كانت بحاجة إلى حياة كريمة الأطفال بحاجة إلى المدارس والمرضى بحاجة إلى العلاج والنساء بحاجة إلى الرعاية والشباب بحاجة إلى فرص للعمل والأسر بحاجة إلى مصدر دخل يساعدها على الاعتماد على نفسها بدل انتظار المساعدات.
ومع كل هذه المعاناة، بقي بين النازحين قدر كبير من التضامن كان الناس يتقاسمون القليل الذي يملكونه ويساعد بعضهم بعضاً في الطريق وفي أماكن النزوح. من لديه ماء يعطي منه لجاره ومن لديه طعام يقاسمه مع أسرة أخري ومن استطاع توفير مكان للنوم فتحه لغيره.وفي أصعب الظروف ظهر معدن الناس الحقيقي، وأثبت كثيرون أن الرحم والتكافل يمكن أن يخففا شيئاً من قسوة المحنة.
والقضارف ومنظماتها وشبابها المتطوع لم يقصوا معهم
إن قصة النزوح من مناطقهم مروراً بالدمازين وأم بَقَرة وصولاً إلى القضارف ليست مجرد قصة طريق طويل بل هي قصة شعب اضطرته الظروف إلى ترك أرضه والبحث عن الأمان إنها قصة أمهات تحملن فوق طاقتهن وآباء عاشوا العجز أمام احتياجات أسرهم، وأطفال حُرموا من طفولتهم الطبيعية وكبار سن تحملوا مشقة السفر رغم المرض والتعب ولكن كان املهم في جيشهم ومكوناتهم الذي لم يخذلهم وقد حرر جبل موية والسكر ومناطقها ورجع الناس فمعاناة النازحين يجب ألا تنسي فخلف كل أسرة نازحة قصة وخلف كل طفل قصة فقد وخوف وخلف كل أم رحلة طويلة من الصبر. ولذلك فإن مساعدة النازحين ليست منّة وإنما واجب إنسانيي والاهتمام بهم يجب أن يستمر حتى تتحسن أوضاعهمبعد ان عادوا إلى مناطقهم حتي تتوفر معينات الحياة الكريمة لهم
وفي النهاية، تبقى الرحلة من الدمازين مروراً بأم بَقَرة وصولاً إلى القضارف محفورة في الذاكرة.و ستظل شاهدة على مر الايام
ورغم معاناتها فقد اوجدت علاقات معارف ومصاهرات بين الناس وعرف الناس ان هذا السودان كل ارجائه لهم وطن











إرسال تعليق