توطين الأسواق والخدمات بمحلية الحصاحيصا كحل مستدام لأزمات الاختناق الحضري

  • بتاريخ : 9 أغسطس، 2026 - 10:53 ص
  • الزيارات : 7
  • بقلم/أمين عبد القادر تاج الدين

    “باحث إقتصادي و مصرفي”

    تتمتع مدينة الحصاحيصا بموقع جغرافى مميز،وهى مدينة تمتد فى رقعة جغرافية صغيرة و تحيط بها اكثر من ٦٠٠ قرية ومدينة صغيرة وعدد كبير من الكنابى تقبع مدينة الحصاحيصا فى مساحة محدودة شرقا وغربا حيث تحدها من الغرب الترعة الرئيسية لمشروع الجزيرة ويحدها من الشرق النيل الأزرق، محدودية هذه المساحة جعلتها ولعقود سابقة من افضل مدن السودان من حيث تنظيم الأحياء والأسواق وتوزيع المرافق الخدمية والمراكز التجارية،حيث حرص المسؤولون الحكوميون ورجالات الإدارات واللجان الأهلية ولجان التخطيط على أن تكون المدينة مميزة من حيث المرافق الخدمية والأسواق، فالقادم إلى المدينة يلاحظ أن المدينة القديمة قبل تسعينات القرن الماضي تميزت بتمركز الخدمات والمراكز التجارية فى مواقع محدده روعى فيها التخصص ونوع النشاط .


    فمثلا نجد أن جميع محطات الوقود والإستديوهات تمركزت فى شارع واحد احتلت الإستديوهات الجزء الشمالى منه وفى الجزء الجنوبى تمركزت محطات الوقود. كذلك الأمر بالنسبة للعيادات ومعامل التحاليل الطبية والصيدليات ايضا تمركزت فى شارع ٢١ إكتوبر. ذات الامر ينطبق على النشاط الصناعى والحرفى فنجد أن المدينة تم تخطيطها لتكون بها منطقتان صناعيتان هما المنطقة الصناعية الجنوبية وهى تضم الصناعات الحرفية مثل الحدادة واعمال ميكانيكا السيارات والمعدات الزراعية والمولدات وبطبيعة الحال دكاكين الاسبيرات، بالإضافة لبعض الصناعات الخفيفة.
    اما فى الجزء الشمالى من المدينة القديمة فقد تم إنشاء المنطقة الصناعية الشمالية وهى متخصصة فى الصناعات الثقيلة مثل صناعة النسيج والزيوت الحلويات والطحنية والمشروبات الغازية وغيرها من المصانع الكبيرة. وهكذا الأمر بالنسبة لبقية الأنشطة التجارية حيث كان السوق الكبير يتكون من مجمعات تجارية متخصصة وفى نطاق جغرافى محدد مثل سوق التوابل وسوق الخضار وسوق العدة وسوق الملابس وسوق الأقمشة وسوق مخصص للفريشين وكان يسمى (سوق الشمس) وغيرها من الاسواق.
    لجان الخطط الإسكانية فى تلك الحقبة بدورها كانت تضع ضمن مخططات الأحياء الجديدة مناطق خصصت لتكون اسواق للأحياء مثل سوق حى فور وسوق الحلة الجديدة وسوق الكمبو وغيرها من أسواق الأحياء.
    لكل ماذكر كانت المدينة تتميز بهذا النظام المتسق من التوزيع الجغرافى للخدمات والأسواق فكانت من افضل المدن من حيث النظافة والإنضباط فى الأسواق،تم كل ذلك ليخدم عدد محدود من السكان وهم سكان المدينة حيث كانت المدينة صغيرة وسكانها محدودين.
    فى مطلع تسعينيات القرن الماضى حدثت هجرات غير مسبوقة للمدينة مما أدى لزيادة كبيرة فى عدد السكان ،هذه الزيادة السكانية نشأ عنها عدد كبير من الاحياء السكنية الجديدة وعدد من الكنابى،بالإضافة إلى التوسع فى مساحات وعدد سكان المدن والقرى التابعة لمحلية الحصاحيصا.
    شكلت هذه المتغيرات ضغطا كبيرا على سوق الحصاحيصا الوحيد محدود المساحة،فقامت الجهات المسؤولة بمنح التصاديق للمحلات التجارية بصورة عشوائية الأمر الذى أثر على تنظيم السوق وادى إلى تداخل الأنشطة التجارية وتوزعها بصورة عشوائية بالإضافة لانتشار ظاهرة الفريشين والطبالى نسبة لمحدودية عدد المحلات التجارية وارتفاع قيمة الإيجارات.
    غزى الباعة المتجولين والفريشين السوق فلم يخلو شارع او زقاق من ازقة وشوارع السوق منهم،الامر الذى أنعكس على تردى مستوى النظافة والنظام والمظهر العام للسوق ، فجميع الشوارع الرئيسية تم قفل بعضها وتضييق بعضها بواسطة البضائع المفروشة على قارعة الطريق الامر الذى شكل عائقا على حركة السيارات والمارة واسهم فى تردى بيئة السوق وتشويهها.
    كان المسؤولين بالوحدة الإدارية فى الفترات السابقة جل تفكيرهم هو الإستفادة من تزايد المحلات التجارية وفوضى الفريشين فى مسالة التحصيل والإيرادات، حيث يتم بيع تحصيل السوق لشخص مقتدر يسمى بالمتحصل، يقوم بدفع مبلغ مالى محدد للمحلية فى بداية السنة ويقوم الشخص بدوره بعملية التحصيل طوال العام لمصلحته الخاصه من المحلات والفريشين وهو مايعرف محليا (ببيع السوق)، وهو نظام يسعى فيه المتحصل لتحصيل اكبر قدر من الاموال لانه يهدف إلى الربح.
    وبالرغم من تحصيل المحلية لهذا المبلغ العائد من بيع السوق للمتحصل الا ان ذلك لم يكن ينعكس على نظافة السوق وتحسين بيئته وتنظيمه، فاصبحت الفوضى والاوساخ هى السمة الغالبه على سوق الحصاحيصا إستمر هذا الأمر لسنوات طويلة مضت.
    منذ أقل من عام تم تعيين الأستاذ/عبد المجيد النعيم بابكر مديرا تنفيذيا لمحلية الحصاحيصا، وحقيقة هذا الرجل أحدث نقلة ملحوظة فى تحسين الخدمات بالمدينة وتنظيم سوق المدينة، فبالأمس القريب أصدر قرارا بإغلاق سوق الحصاحيصا فى يوم السبت ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦م ولمدة يوم واحد وذلك بهدف نظافة وتنظيم السوق وإزالة المظاهر السالبة، انتظمت السوق حملة كبيرة شاركت فيها كل القوات النظامية والجهات ذات الصلة من أجل تنفيذ موجهات القرار، وخلال ساعات تمت إزالة جميع مظاهر التعدي على الشارع وبصورة مذهله فاصبحت الرواكيب وترابيز الباعة المتجولين اثرا بعد عين، حيث قامت الحملة بإزالة جميع الترابيز والرواكيب المنتشرة بالسوق، مما نتج عنه فتح شوارع السوق بصورة ملاحظة وغير مسبوقة الأمر الذى وجد استحسان التجار والمواطنين.
    هذا الإجراء الشجاع الذى تم بلا شك يحسب للمحلية ولمديرها التنفيذى الجديد وجميع العاملين بالمحلية واللجان والقوات النظامية،بالرغم من ان ماتم بالسوق هو من صميم عملهم لكنه يحسب لهم كإنجاز فشل فيه المسؤولون المتعاقبون على المحلية ولسنوات طويلة مضت.
    عموما هى خطوة مباركة فى طريق إصلاح وتهيئة بيئة العمل والتسوق فى سوق الحصاحيصا،الا ان هذه الخطوة وحدها لا تكفى لحل الإشكالات التى تواجه السوق بصفة خاصة والمدينة بصفة عامه، فالمدينة اكتظت بالنازحين الذين نزحوا لها بسبب الحرب، والمواطنين الذين نقلوا اعمالهم من العاصمة وقاموا بفتح محلات بسوق المدينة الامر الذى ضاعف أسعار إيجارات المحلات بصورة جنونية، كما ان محدودية مساحة السوق ساعدت فى ارتفاع الايجارات، ايضا تشهد شوارع المدينة يوميا منذ ساعات الصباح الأولى حركة كثيفة للسيارات الخاصة والعامة التى تنقل المتسوقين والبضائع الامر الذى بدوره شكل ضغطا كبيرا على شوارع المدينة ومداخل السوق، بالإضافة إلى أن مواقف سيارات المواصلات بالسوق نفسها سعتها محدودة،مع انعدام مواقف السيارات الخاصة بالمواطنين.
    ايضا يعانى الفريشين والباعة المتجولين من صعوبات كثيرة مثل الجبايات ومحدودية الارصفة مقارنة بعددهم بالإضافة إلى كمية النفايات اليومية الكبيرة والتي يصعب على الجهات المختصة جمعها نسبة لكميتها الكبيرة، كما ان التسوق نفسه فى ظل هذا السوق المكتظ يعتبر عملية غير جاذبة للمتسوقين.
    فى ظل هذه الاوضاع والمعطيات التى تم ذكرها يجب أن تتخذ المحلية خطوة أكثر فعالية لخلق متنفس لسوق الحصاحيصا، وتحقيق قيمة إقتصادية مضافة من خلال تحويل النشاط الاقتصادي نحو اسواق الأحياء بالمدينة مثل سوق حي فور وسوق الحلة الجديدة وسوق الكمبو مع افتتاح اسواق جديدة ببقية الأحياء ايضا توجيه النشاط التجاري نحو اسواق مدن وقرى المحلية الصغيرة المحيطة بمدينة الحصاحيصا، مثل طابت وابو عشر ونايل وودبلال والمسلمية والحلاوين وغيرها من القرى والمدن، إذ تتميز هذه الاسواق بآفاق واعدة وبيئة تخلو من التعقيدات والمضايقات، مما يجعلها وجهة مثالية لجذب رواد الأعمال الشباب وأصحاب المشاريع الناشئة من الشباب والخريجين والتجار ذوى رؤوس الأموال المحدودة والمزارعين وصغار المنتجين.
    كما يجب إعادة النظر في طبيعة الأسواق الأسبوعية بالقرى والمدن المجاورة، والتي تقتصر غالباً على يوم أو يومين في الأسبوع فيجب السعي بالإتجاه نحو تحويلها إلى أسواق دائمة تعمل طوال أيام الأسبوع، فبلا شك إن تكلفة التنقل اليومية تثقل كاهل المواطنين، وحين تتوفر السلع والخدمات الأساسية في محيطهم الجغرافي، فلن يجدوا انفسهم مضطرين إلى تكبد عناء السفر وإهدار الزمن والمال بالتسوق فى سوق الحصاحيصا.
    ولا يقتصر الأمر على الأسواق الاستهلاكية فحسب، بل يمتد ليشمل قطاع الخدمات والإتصالات والقطاع الصحي مثل العيادات، والمعامل الطبية، والصيدليات،فتوجهها نحو هذه المناطق الواعدة سيمثل خطوة مربحة للطرفين. فهذه المرافق الخدمية ستخفف عن كاهل الكوادر العاملة هناك أعباء التنقل المتكرر إلى مركز المدينة، وستقدم حلولاً مستدامة للمناطق التي تنعزل وتتأثر شبكات طرقها وتنعزل عن المدينة فى موسم الخريف.
    إن إتخاذ هذه الخطوات من شأنه ان تحظى كل منطقة بنصيب عادل من الاستثمارات والخدمات وفرص العمل، بدلاً من تكديس كل مقومات الحياة في نقطة جغرافية واحدة كما انه يؤدى إلى تحقيق عدة مزايا للمدينة والمدن والقرى التابعة لها من اهم هذه المزايا:
    ١/ خلق بيئة جاذبة للتسوق تتمثل فى أسواق نظيفة ومنظمة يتم فيها عرض البضائع والمنتجات بصورة جاذبة وتنعكس ايجاباً على الصورة الجمالية للمدينة، وتشجع المزيد من المتسوقين على ارتيادها بثقة وراحة.
    ٢/الحفاظ على البنية التحتية للمدينة من خلال الصيانة الدورية والنظافة الأسبوعية والتي تطيل عمر الشوارع والمرافق داخل السوق وتقلل من الأعطال والأضرار البيئية.
    ٣/توسع اسواق مدن وقرى المحلية وانتعاشها من شأنه أن يساعد فى تنميتها وتطويرها ويشكل وفره فى البضائع والمنتجات بهذه الاسواق.
    ٤/تفعيل الأسواق الصغيرة في الأحياء السكنية والمدن والقرى المجاورة لها أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، وذلك نسبة لقرب هذه الأسواق من اماكن السكن وسهولة الوصول اليها. حيث تقع هذه الأسواق على مسافة قريبة جداً من المنازل، مما يغني السكان عن قطع مسافات طويلة أو مواجهة زحام الطرق الرئيسية لشراء الاحتياجات الطارئة أو اليومية. بالإضافة إلى سهولة تلبية الاحتياجات اليومية الأساسية من السلع والمنتجات.
    ٥/ايضا هذه الاسواق توفر ميزة المرونة في الدفع بالنسبة للمتسوقين حيث انها تتيح نظام الشراء الآجل (الدفتر أو كراس الدين او الجرورة) للمعارف والأسر الموثوقة حتى موعد استلام الرواتب أو تيسير الظروف وفى ذلك ايضا نوع من رفع المعاناة عن كاهل المواطنين البسطاء وذوى الدخل المحدود.
    ٦/ تسهم الأسواق الناشئة فى دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل، وتحقيق قيمة اقتصادية مضافة للمجتمع تتمثل فى توفير فرص عمل للشباب والخريجين والنساء المعيلات مما يقلل من معدلات البطالة بالمجتمع ويساهم فى التنمية الإقتصادية.
    ٧/تطوير الاسواق والمنتجات المحلية من شانه ان يساهم فى دفع وتشجيع تصنيع المنتجات وتطوير الخدمات ذات القيمة المضافة مما يعزز كفاءة استغلال الموارد المتاحة،الامر الذى يساهم بدوره فى رفع معدلات النمؤ الإقتصادى.
    ٨/تحريك عجلة الاقتصاد باسواق مدن وقرى المحلية يساهم في بقاء الأموال داخل النطاق المحلي للاقتصاد المصغر ويعمل على تنشيط حركة البيع والشراء على مستوى المنطقة، بالإضافة إلى دخول صغار المنتجين لعجلة الإنتاج وذلك بالإستفادة من ميزة انعدام تكلفة ترحيل منتجاتهم إلى سوق المدينة البعيد.
    ٩/تنشيط الأسواق الصغيرة يشجع البنوك وشركات الاتصالات وشركات التوزيع للتوسع فى هذه الأسواق الناشئة مما يساهم فى سهولة وصول خدماتها للمستهلكين والزبائن المستهدفين فى مناطق سكنهم، كما ان هذا التوسع يساهم فى تنشيط الحركة التجارية بهذه الأسواق مما يعزز نموء النشاط الاقتصادي والتجاري فى المنطقة المعنية.
    ١٠/توفير حلقة وصل مباشرة بين المزارعين والمنتجين المحليين من جهة، والمستهلكين من جهة أخرى دون الحاجة لوسطاء متعددين، مما يساهم فى الحصول على السلع والمنتجات المحلية باسعار منخفضة عن سوق المدينة.
    ١٢/تساعد الاسواق الصغيرة بالاحياء والمدن الصغيرة والقرى صغار المنتجين ولا سيما النساء فى ايجاد تسويق سهل (عبر إنتاج الأجبان، الحرف التقليدية، والدواجن) مما يساهم فى تحقيق عائد مادي يدعم ميزانية الأسرة.
    هذه جزء يسير من المميزات والايجابيات التى تنشأ نتيجة لدعم وتشجيع الإتجاه نحو اسواق الاحياء والقرى والمدن الصغيرة، اتمنى أن تجد هذه المقترحات الإهتمام من قبل الجهات المعنية فالوقت قد حان لفك الخناق عن المدينة وسوقها، فايجاد اسواق طرفية وفرعية تمثل متنفسا حقيقيا وتفك الأختناق عن المدينة وتخلق قيمة إقتصادية كبيرة، كما انها تساهم فى تشكيل واقع جديد للمدن والريف الأمر الذى سيسهم إيجابا فى تنمية وتطوير الاسواق الناشئة و دفع عجلة الإنتاج والتنمية والإستقرار بالمدينة والمحلية.