بين غربتين

  • بتاريخ : 9 أغسطس، 2026 - 1:44 م
  • الزيارات : 1
  • بقلم / عادل الغنوشي
    “كاتب تونسي”

    نحن لا نغادر أوطاننا لأننا نريد حياةً أخرى… بل لأن الحياة الأولى ضاقت بنا، ثم نقضي ما تبقى من العمر نحاول العودة إلى شيءٍ لم يعد موجودًا.
    الغربة ليست مطارًا ولا تأشيرةً ولا ختمًا على جواز سفر. الغربة هي ذلك الشرخ الصامت الذي يحدث داخل الإنسان في اللحظة التي يدرك فيها أن المكان الذي أنقذه من الحاجة، لم ينجح في إنقاذ قلبه.
    المغترب لا يعيش في بلدين… بل يخسرهما معًا.
    في البلاد الجديدة، يتعلم اللغة، ويحفظ أسماء الشوارع، ويدفع الضرائب، ويشتري بيتًا، ويزرع شجرة في الحديقة، لكنه كلما ظن أنه أصبح واحدًا منهم، أيقظه موقفٌ صغير ليذكره أنه “الآخر”. يبتسم، ويواصل حياته، لكنه في داخله يعرف أن جذوره ما زالت تبحث عن تربةٍ تعرف اسمها.
    ثم يعود يومًا إلى وطنه، ظنًا منه أن التعب سينتهي عند أول عناق… لكنه يفاجأ بأن الوطن أيضًا مضى بدونه.
    الطفل الذي تركه صار رجلًا.
    والصديق الذي كان ينتظره صار غريبًا.
    والبيت الذي كان يعرف تفاصيله، لم يعد يحمل رائحة الأمس.
    فرغت الأماكن وراح الصدى..غاب الأحباب وشاب الصبية…
    هناك، يكتشف الحقيقة الأكثر قسوة…
    أن الزمن لم يتوقف في انتظاره.
    وأن الوطن لا يخون أبناءه، لكنه لا يستطيع أن يحفظ لهم أماكنهم إلى الأبد.
    فيبدأ نوعٌ آخر من الغربة…
    غربة داخل الوطن نفسه.
    يصبح ضيفًا في الحي الذي وُلد فيه، ويحتاج من يرشده إلى الأماكن التي كان يركض فيها طفلًا. يسمع أسماءً جديدة، ويرى وجوهًا لم يعرفها، ويشعر أن الجميع يعيشون حياةً لم يعد هو جزءًا منها.
    ثم يعود إلى غربته، ليس حبًا بها… بل لأن الإنسان يحتاج إلى مكانٍ يضع فيه مفاتيحه آخر النهار، حتى لو لم يضع فيه قلبه.
    أصعب ما في الغربة أنها تعلّم الإنسان الكذب على نفسه.
    يقول: “اعتدت.”
    وهو لم يعتد.
    يقول: “لم أعد أشتاق.”
    ثم يبكي عندما يسمع لهجة بلاده في متجرٍ عابر.
    يقول: “الحياة هنا أفضل.”
    ولا يخبر أحدًا أن الراحة ليست دائمًا مرادفًا للسعادة.
    ويقول: “اشتقت للغربة” بعد عودته من الوطن، ليس لأنه أحب الغربة، بل لأن روحه أصبحت عاجزة عن الاستقرار في أي مكان. لقد صار يحمل غربته معه، أينما ذهب.
    المغترب يدفع ثمنًا لا يظهر في كشوف الحسابات.
    يدفعه في الأعياد التي تمر عبر شاشة هاتف.
    وفي جنازاتٍ حضرها بالدعاء فقط.
    وفي أفراحٍ اكتفى فيها بصورة.
    وفي والدين يكبران عامًا بعد عام، بينما هو يطمئن عليهما من خلال مكالمة تنتهي دائمًا بعبارة: “لا تقلق… نحن بخير.”
    لكنه يعرف أنهم ليسوا بخير.
    ويعرف أنه ليس بخير أيضًا.
    كل ما في الأمر أن الجميع أصبحوا بارعين في إخفاء الوجع.
    الغربة تمنح الإنسان أشياء كثيرة…
    مالًا أكثر،
    ونظامًا أكثر،
    وأمانًا أكثر.
    لكنها تأخذ منه أشياء لا تُشترى.
    تأخذ عفوية الانتماء.
    وتأخذ حقه في أن يكبر مع أحبته.
    وتأخذ تفاصيل الأيام الصغيرة التي لا يدرك قيمتها إلا حين تصبح مستحيلة.
    ومع مرور السنوات، يكتشف المغترب أنه لم يعد يحلم بالثراء، ولا بالمناصب، ولا حتى بالعودة.
    كل ما يتمناه هو شعور بسيط…
    أن يستيقظ صباحًا في مكانٍ لا يحتاج فيه أن يشرح من هو.
    ولا أن يترجم مشاعره.
    ولا أن يبرر سبب رحيله.
    ولا أن يعتذر عن تأخر عودته.
    لعل أقسى ما في الغربة أنها لا تنتهي حين تعود، بل تبدأ من جديد.
    فأنت لا تعود كما كنت، والوطن لا يبقى كما تركته.
    ويبقى القلب معلّقًا بين سماءين، يحمل مفتاح بيتٍ هناك، وذكريات بيتٍ هنا، دون أن يمتلك القدرة على فتح أي بابٍ بالكامل.
    وهكذا يمضي المغترب عمره…
    فلا يبحث عن وطنٍ جديد،
    ولا ينتظر الوطن القديم.
    إنه يبحث فقط عن تلك الطمأنينة التي كانت تأتي يومًا بلا سبب…
    قبل أن يتحول الوطن إلى ذكرى،
    وتتحول الغربة إلى قدر.