بينما اعتذرت دول استعمارية ودفت تعوضًا عن الإحتلال…بريطانيا ترفض تعويض السودان

  • بتاريخ : 12 مايو، 2026 - 9:19 ص
  • الزيارات : 9
  • فبينما دفعت ألمانيا وإيطاليا وهولندا مليارات الدولارات وقدمت اعتذارات رسمية، لا تزال لندن ترفض حتى الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية تجاه السودان، وكأن جرائمها هناك لا تستحق محاسبة.

    توافق دولي على التعويضات

    يجمع خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان على أن الدول المستعمرة ملزمة بتقديم تعويضات كاملة وفعالة، تشمل أربعة عناصر أساسية: رد الحقوق المسلوبة، التعويض المادي، إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، وضمانات بعدم تكرار الانتهاكات.

    وقد سارت عدة دول استعمارية سابقة في هذا الاتجاه، وإن كانت بشكل تدريجي ومحدود. ففي عام 2021، وافقت ألمانيا على دفع 1.1 مليار يورو لناميبيا على مدى 30 عاما؛ اعترافا منها بارتكاب أول إبادة جماعية في القرن العشرين ضد شعبي “الهيريرو” و”الناما”.

    كما التزمت إيطاليا بدفع 5 مليارات دولار لليبيا على شكل استثمارات على مدى 25 عاما، بينما قدمت هولندا اعتذارا رسميا عن العبودية ورصدت 200 مليون يورو لمعالجة آثارها.

    ارتكبت القوات البريطانية خلال حكمها للسودان مجازر مروعة لا تزال حية في الذاكرة الشعبية. ففي مجزرة ود حبوبة (1921)، قمعت الحملات العسكرية انتفاضة قبلية ضد الضرائب الباهظة، وقتلت المئات، ثم أعدمت الزعيم “ود حبوبة” وشوهت جثمانه

    بريطانيا استثناء.. والسودان ينتظر

    لكن المملكة المتحدة تظل الاستثناء الأبرز، فهي الدولة الاستعمارية الوحيدة التي لم تقدم أي تعويضات رسمية للسودان.

    وقد دفع الاستعمار البريطاني للسودان (1899-1956) البلاد إلى ويلات التخلف والتفكك. فقد صُممت البنية التحتية -من سكك حديدية وموانئ- لخدمة الاحتياجات البريطانية فقط، ولا سيما نقل القطن والمواشي إلى مصر، ومن ثم إلى لندن، تاركة السودان باقتصاد غير متنوع، يعتمد على محصول نقدي واحد، ويعجز عن مواكبة التطورات العالمية.

    وفق تقديرات اقتصادية مستقلة، بلغت خسائر السودان نتيجة نهب الموارد والسياسات الاستعمارية ما يناهز 700 مليار دولار (بأسعار اليوم)، لكن لندن ترفض حتى مناقشة الرقم، وتعتبر ملف التعويضات “مغلقا”، بحجة انتهاء فترة الاستعمار.

    مجازر بلا حساب ولا اعتراف

    لا يقتصر الظلم على الجانب الاقتصادي. ارتكبت القوات البريطانية خلال حكمها للسودان مجازر مروعة لا تزال حية في الذاكرة الشعبية. ففي مجزرة ود حبوبة (1921)، قمعت الحملات العسكرية انتفاضة قبلية ضد الضرائب الباهظة، وقتلت المئات، ثم أعدمت الزعيم “ود حبوبة” وشوهت جثمانه.

    وفي مجزرة الديوم (1923-1924)، استخدمت لندن الطيران لأول مرة في أفريقيا لقصف القرى في جبال النوبة، ما أدى إلى مقتل أكثر من ألف شخص وتشريد الآلاف.

    كما قصفت البحرية البريطانية الخرطوم بحري بالمدفعية خلال ثورة 1924، وهدمت أحياء بأكملها.

    ورغم كل هذه الجرائم، لم تصدر لندن أي اعتذار رسمي، ولم تفتح أي تحقيق في هذه المجازر.

    الموقف البريطاني المتصلب تجاه تعويض السودان ليس مجرد تقصير أخلاقي، بل هو إمعان في ظلم تاريخي يلقي بثقله على حاضر السودان ومستقبله

    تمييز في الحرب والأزمات

    بشكل لافت، أكدت المحاكم البريطانية أن السودانيين الذين شاركوا إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الثانية (نحو 20 ألف جندي) غير مؤهلين للحصول على علاوات نهاية الخدمة أسوة بنظرائهم من كينيا ونيجيريا، وهو تمييز مؤسساتي صارخ.

    كما أن لندن، في خضم الحرب الدائرة حاليا في السودان بين الجيش والدعم السريع، تكتفي بتقديم مساعدات إنسانية محدودة (لا تتجاوز 100 مليون دولار)، بدلا من تحمل مسؤولياتها التاريخية الكاملة، أو التأثير بثقلها الدبلوماسي لوقف القتال.

    وضع فريد أم حيلة لتجنب المسؤولية؟

    يرى مراقبون أن موقف بريطانيا المتصلب يعود إلى شعورها بأنها لم تكن “دولة استعمارية تقليدية” في السودان، بل كانت “حكومة وصاية” أو إدارة ثنائية (بريطانية-مصرية).

    هذا التوصيف، الذي يروجه دبلوماسيون بريطانيون سابقون مثل السير دونالد هولي، يهدف إلى تخفيف وطأة اتهامات الاستغلال. لكن هذا النفي يتجاهل حقيقة أن القرارات السيادية -الحرب، السلم، التجارة، رسم الحدود- كانت بيد الحاكم العام البريطاني وحده.

    كما أنه يتجاهل سياسة “فرق تسد” التي زرعت الصراعات القبلية والجهوية بين الشمال والجنوب، وبين القبائل في دارفور، والتي تعصف بالسودان حتى اليوم.

    لن تُبنى علاقات صحية بين البلدين دون اعتراف بريطاني صادق بالجرائم المرتكبة، ودون تعويضات تليق بحجم المعاناة. إنها مسألة عدالة تاريخية، وليست صدقة أو منة

    ازدواجية بريطانية صادمة

    على النقيض من ذلك، لم تتردد بريطانيا في دفع تعويضات لكينيا، حيث قدمت عام 2013 اعتذارا رسميا ودفعت 20 مليون جنيه إسترليني لضحايا انتفاضة “ماو ماو”، الذين تعرضوا للتعذيب والاغتصاب على أيدي المستعمرين.

    كما دفعت تعويضات لقبرص وسنغافورة. هذا التناقض يعزز حقيقة أن السودان يُعامل بشكل غير عادل، ليس بسبب معايير قانونية، بل بسبب حسابات سياسية وتقدير بأن الضغط السوداني لا يرقى إلى مستوى التهديد.

    الظلم المستمر يهدد المستقبل

    الموقف البريطاني المتصلب تجاه تعويض السودان ليس مجرد تقصير أخلاقي، بل هو إمعان في ظلم تاريخي يلقي بثقله على حاضر السودان ومستقبله. إن جمود لندن يخلق فراغا تملؤه قوى أخرى؛ لتوسيع نفوذها، مستغلة غياب بريطانيا الفاعل.

    والأخطر أن هذا الموقف يرسخ في وجدان السودانيين شعورا بالظلم، ويديم دائرة الاستياء وعدم الثقة.

    ولن تُبنى علاقات صحية بين البلدين دون اعتراف بريطاني صادق بالجرائم المرتكبة، ودون تعويضات تليق بحجم المعاناة. إنها مسألة عدالة تاريخية، وليست صدقة أو منة.