المستشار د.الزبير حمزة يكتب: مقاصد الشريعة الإسلامية وأثرها في معالجة القضايا المعاصرة

  • بتاريخ : 24 أكتوبر، 2026 - 1:41 م
  • الزيارات : 11
  • تعد مقاصد الشريعة الإسلامية من أهم الأسس التي تقوم عليها الأحكام الشرعية فهي تعبّر عن الغايات والحِكم التي شرع الله تعالى الأحكام من أجل تحقيقها بما يكفل صلاح الإنسان واستقرار المجتمع ويحفظ الحقوق ويقيم العدل ويحقق التوازن بين مصالح الفرد والجماعة فالشريعة الإسلامية ليست مجرد مجموعة من الأحكام والنصوص بل هي منظومة متكاملة تهدف إلى تحقيق الخير للإنسان ودفع الضرر عنه، وصيانة كرامته وتنظيم علاقاته مع الآخرين على أساس من العدل والرحمة والمسؤولية
    وقد استقر علماء أصول الفقه على أن المقاصد الضرورية للشريعة تتمثل في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال وهي الضروريات الخمس التي تقوم عليها حياة الناس وتستند إليها كثير من الأحكام والتشريعات فحفظ الدين يتحقق بصيانة حرية الاعتقاد وفق أحكام الشريعة وحماية دور العبادة وترسيخ القيم الأخلاقية أما حفظ النفس فيتجلى في تحريم الاعتداء على الأرواح وتجريم القتل والعنف وتطوير الأنظمة الصحية وتعزيز السلامة العامة ويتحقق حفظ العقل بمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ومحاربة التضليل الفكري ودعم التعليم والبحث العلمي ويظهر حفظ النسل في تنظيم شؤون الأسرة وحماية حقوق الأطفال ورعاية الأمهات وصيانة الروابط الأسرية أما حفظ المال فيتجسد في حماية الملكية الخاصة والعامة ومكافحة الفساد والاحتيال والرشوة وتحقيق العدالة في المعاملات المالية
    وفي العصر المعاصر تبرز أهمية مقاصد الشريعة في قدرتها على توجيه الاجتهاد الشرعي والقانوني لمواجهة المستجدات التي لم تكن معروفة بصورتها الحالية في العصور السابقة فقد شهد العالم تطورات متسارعة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والطب والإدارة والعلاقات الدولية الأمر الذي يستدعي فهماً عميقاً للنصوص الشرعية وإدراكاً لمقاصدها مع الالتزام بالضوابط الشرعية المعتبرة وعدم اتخاذ المقاصد ذريعة لتجاوز النصوص القطعية أو تعطيل الأحكام الثابتة
    ففي المجال القانوني تسهم مقاصد الشريعة في تعزيز سيادة القانون وترسيخ مبدأ المساواة أمام القضاء ومكافحة التعسف في استعمال السلطة وضمان حق الإنسان في الدفاع عن نفسه وحماية الحقوق والحريات المشروعة كما تؤكد أن السلطة مسؤولية وليست امتيازاً وأن ممارسة الاختصاصات العامة يجب أن تكون لتحقيق المصلحة العامة لا لخدمة المصالح الشخصية أو الفئوية ومن هنا، فإن التشريعات التي تستهدف مكافحة الفساد وحماية المبلغين عنه وتعزيز النزاهة والشفافية يمكن أن تتكامل مع مقصد حفظ المال وتحقيق العدل وصيانة حقوق المجتمع
    وفي المجال الاقتصادي تتجلى مقاصد الشريعة في تنظيم المعاملات المالية ومنع الغش والاحتكار والربا المحرّم وحماية المستهلك وتحقيق التوازن بين حرية النشاط الاقتصادي وواجب الدولة في حماية المجتمع من الاستغلال كما تبرز أهمية هذه المقاصد في مواجهة الأزمات المعيشية والحد من الفقر وضمان وصول الفئات المحتاجة إلى الخدمات الأساسية وترسيخ المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات فحفظ المال لا يعني مجرد حماية الثروة بل يشمل كذلك حسن تداولها ومنع الاعتداء عليها وتحقيق الانتفاع المشروع بها بما يسهم في استقرار المجتمع وتحسين مستوى معيشة أفراده
    أما في المجال الرقمي فقد أصبحت مقاصد الشريعة إطاراً مهماً للنظر في القضايا المستجدة مثل الجرائم الإلكترونية والاحتيال المالي عبر الإنترنت وانتهاك الخصوصية وسرقة البيانات والتشهير بالأفراد واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإضرار بالآخرين فهذه الممارسات تمسّ مقاصد متعددة، من بينها حفظ المال والعقل والعِرض والحقوق وتستدعي تطوير التشريعات وآليات الرقابة والمساءلة بما يتناسب مع طبيعة الجرائم الرقمية وسرعة انتشارها. كما أن حماية البيانات الشخصية وصيانة سمعة الإنسان من الاعتداءات الإلكترونية تمثلان جانباً مهماً من حماية الكرامة الإنسانية والحقوق المشروعة
    وفي المجال الطبي تظهر أهمية المقاصد الشرعية في القضايا المتعلقة بالتبرع بالأعضاء والتقنيات الإنجابية الحديثة والعلاج الجيني والذكاء الاصطناعي الطبي وسائر التطورات التي تثير أسئلة أخلاقية وشرعية وقانونية ويقتضي التعامل مع هذه المسائل الموازنة المنضبطة بين حفظ النفس ورفع الضرر واحترام كرامة الإنسان ومراعاة الضرورة والحاجة مع الرجوع إلى أهل الاختصاص الشرعي والطبي والقانوني وعدم الاكتفاء بالأحكام العامة دون دراسة دقيقة للوقائع والآثار المترتبة عليها
    وتتسع تطبيقات مقاصد الشريعة لتشمل الإدارة العامة والحكم الرشيد إذ تؤكد ضرورة قيام المؤسسات على الكفاءة والنزاهة والعدالة وحسن إدارة الموارد العامة وتكافؤ الفرص ومحاسبة المسؤولين عن إساءة استخدام السلطة أو إهدار المال العام كما تقتضي مراعاة المصلحة العامة أن تُبنى القرارات الإدارية على أسس موضوعية وأن تخضع للرقابة القانونية وأن تتوازن فيها صلاحيات الإدارة مع حقوق الأفراد فكلما اقتربت السياسات العامة من تحقيق العدل ورفع المشقة وحماية الحقوق ازدادت قدرتها على خدمة الإنسان وتحقيق الاستقرار الاجتماعي
    ومن التطبيقات المعاصرة كذلك مواجهة التحديات البيئية فحماية المياه والهواء والأرض والحد من التلوث والمحافظة على الموارد الطبيعية وترشيد الاستهلاك كلها قضايا ترتبط بمبدأ عدم الإضرار بالآخرين وبمسؤولية الإنسان عن إعمار الأرض كما أن مراعاة حقوق الأجيال القادمة تفرض على المؤسسات والأفراد عدم استنزاف الموارد أو اتخاذ قرارات تحقق منفعة عاجلة على حساب أضرار مستقبلية واسعة
    ومع ذلك، فإن التطبيق الصحيح لمقاصد الشريعة يتطلب منهجاً علمياً يجمع بين فهم النصوص الشرعية ومعرفة قواعد أصول الفقه ودراسة الواقع وتقدير المصالح والمفاسد والاستعانة بالخبراء في المجالات المتخصصة كما يتطلب التمييز بين المصالح الحقيقية والمصالح المتوهمة وبين الضروريات والحاجيات والتحسينيات ومراعاة مآلات الأفعال وآثار القرارات على الأفراد والمجتمعات فليس كل ما يحقق منفعة عاجلة يعدّ مصلحة معتبرة، ولا يجوز إهدار حق ثابت لمجرد الادعاء بتحقيق مصلحة عامة دون دليل أو ضوابط
    إن مقاصد الشريعة الإسلامية تمثل جسراً بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الحياة، وتوفر إطاراً أخلاقياً وتشريعياً يمكن الاستفادة منه في تطوير الأنظمة والسياسات العامة، ومعالجة المشكلات المعاصرة، وتعزيز العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق، وتحقيق التنمية المستدامة غير أن فاعليتها تظل مرتبطة بحسن فهمها وسلامة تنزيلها على الوقائع والتكامل بين الاجتهاد الشرعي والتخصص القانوني والمعرفة العلمية
    وخلاصة القول إن مقاصد الشريعة ليست مفاهيم نظرية محصورة في كتب أصول الفقه وإنما هي معانٍ عملية ينبغي أن تنعكس على التشريعات وأداء المؤسسات وسلوك الأفراد، وإدارة شؤون المجتمع فحيثما تحققت المصالح المعتبرة وصينت الحقوق وأقيم العدل وحُفظت الكرامة الإنسانية ضمن الضوابط الشرعية ظهرت آثار هذه المقاصد في واقع الحياة ومن ثم، فإن استحضار مقاصد الشريعة في العصر المعاصر يمثل ضرورة علمية وتشريعية وأخلاقية، تسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً واستقراراً، وتؤكد صلاحية الشريعة الإسلامية لمعالجة قضايا الإنسان في مختلف الأزمنة مع المحافظة على ثوابتها وأصولها