نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
لم يشهد السودان في تاريخه الحديث محاولات تربص بحرية الإعلام أكثر مما حدث في هذه الحقبة المظلمة، التي أراها الأسوأ والأحلك من حيث كبت حرية الإعلام ومحاولات ذبحها والتربص والترصد بالصحافيين، وجرجرتهم بين أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم، ومانقموا منهم إلا أنهم انتقدوا أداء حكومة كسيحة مشلولة عاجزة عن فعل أي شيء..ليست هناك مشكلة في فتح بلاغات في أي صحافي مخالف للقانون، لكن المدهش حقا صدور أوامر قبض من النيابة في مواجهة صحافي انتقد أداء الحكومة، او رئيسها ، أو أي من منسوبيها، والأغرب من كل ذلك محاولات استغلال القانون وتوظيفه وتحويله من ضامن وحامي للحقوق إلى وسيلة لإرهاب الصحافيين والخصوم السياسيين من اجل ترويضهم وتركيعهم، بئس رجل الدولة الذي يفعل كل ذلك.
وما يجعل الأمر غصة في الحلق، أن أغلب هذه المحاولات لها صلة وثيقة بوزارة الإعلام التي يجلس عليها زميل صحافي ويفترض فيه أنه يدرك حدود حرية الإعلام ، وما إذا كان الرأي يمثل جريمة يحاكم صاحبه أم لا .. لقد جاءت كل محاولات اغتيال حرية الصحافة من عقلية يفترض فيها رعاية حرية الإعلام وتطوير العمل الصحفي وترقيته وتحسين بيئته، لكن للأسف كان منها العكس تماما … وكانت الصدمة أن وجدناها عقلية ، تتوهم أن الإعلام عدو ولابد من قهره وإرهابه والتربص به وتطويعه ليكون تابعاً ذليلاً لسلطة الأمر الواقع، لا مراقباً لأداء أجهزة الدولة، وهذا ما يتراءى لنا الآن على الأقل.
وسأحاول تبيان ذلك بالأسانيد والشواهد والوقائع والأدلة الدامغة من خلال ثلاث نقاط:
(2)
أولاً: استمارة الإذعان :
أعلنت وزارة الإعلام عن شروط جديدة لمنح المواقع والمنصات ترخيصاً لمزاولة النشر، عبر ملء استمارة رفضها وانتقدها الصحفيون بالإجماع.
الاستمارة في جوهرها ليست لتنظيم المهنة كما زعموا، بل كان الأمر في طبيعته أشبه بالوصاية، تريد وزارة الإعلام والأجهزة الأمنية أن تعرف الممول والمالك والمحرر وعنوانه، كأنك تتقدم لوظيفة أمنية لا لعمل صحفي، يحدث هذا الكبت وهذا التعسف والعالم من حولنا كله تجاوز منطق الترخيص القبلي للصحافة واتجه إلى التسجيل الإخطاري، إلا نحن عدنا إلى عقلية الرقيب الذي يجلس على باب المطبعة ليمنحك الإذن وصك الغفران لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء..فإذا كان الشريف مبسوط منك فلك الأخضر أبو صلعة في كل سفرة، وكل فعالية وتذاكر السفر والإعاشة والرضا، وإلا فلك الويل والثبور..
فقد كانت استمارة الوزارة استمارة إذعان من شأنها تحويل الصحافة من سلطة رابعة مستقلة إلى موظف يقف ذليل ليطلب الإذن بالنشر، فأي منطق هذا الذي يريد أن يرخص للكلمة كما يرخص لدكان؟ وهل الحرية تحتاج إلى تصديق وختم من موظف في الوزارة؟ ولقد علمنا أن هذا الإجراء ليس المقصود به تنظيم المهنة ، بل محاولة لتطويع وتركيع الأقلام الحرة، لكن هيهات.
(3)
ثانياً: إرهاب الصحفيين بالبلاغات:
السلطة التي تفشل في الرد بالمعلومة، وتلجأ للرد بالملاحقات الجنائية لأصحاب الرأي وتدوين البلاغ الجنائية في (البسوى والمابسوى)، سلطة فاشلة و”كيسها فاضي جدا”، خاصة إذا كان هناك ما يجب أن تنصرف إليه مثل تفاقم أزمات الخبز والوقود والدولار بدلا من تضييع وقتها في شكاوي الصحافيين واستغلال القانون وتوظيفه وتطويعه لتخويف الكتاب وتركيعهم..
ما يحدث الآن هو ملاحقة الصحافيين وإرهابهم وتخويفهم بفتح البلاغات من قبل مسؤولي الحكومة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء وصديقه وزير الإعلام.
وزير الإعلام الزميل الصحفي الذي يفترض أنه محامي الصحفيين ودرعهم، تحول إلى خصمهم الأول. بدلاً من أن يفتح بابه لشكواهم من التضييق، فتح باب النيابات في وجوههم. صحفي يكتب عن فساد، يتم استدعاؤه ،آخر ينتقد قراراً يتم يهديده.
ما قامت به حكومة كامل إدريس ، وكامل ادريس شخصيا من كثرة شكاوي ضد صحافيين كتبوا آراء منطقية ، وما قام به وزير الاعلام الاعيسر عكس حقيقة واضحة وهي أن الحكومة لا تخاف على الأمن القومي، بل تخاف من انكشاف ضعف أدائها أمام الرأي العام.
(4)
ثالثاً: تعديل المادة 51.. سيف الإعدام:
وفي رأيي هذه هي الطامة الكبرى التي لم يجرؤ عليها حتى النظام البائد في ذروة بطشه، ولا حتى موسوليني ولا هتلر
تعديل المادة 51 من القانون الجنائي لسنة 1991 بإضافة نص فضفاض يجرم نشر ما يسمى “المعلومات المضرة بأمن الدولة” ويجعل الصحفي مجرماً يواجه عقوبة قد تصل إلى الإعدام.
بجرة قلم، تحول الصحفي من شاهد على الحقيقة إلى متهم بالخيانة العظمى.
أيُّ صحفيٍّ بعد هذا سيجرؤ على فتح ملف تهريب الذهب؟ أو ملف فساد في مؤسسة سيادية؟ أو ملف إخفاق عسكري؟ الجميع سيضع سيف الإعدام أمام عينيه ويختار السلامة.
يريدون صحافة تصفق وتهلل، لا صحافة تسأل وتحاسب.
ما يحدث ليس تنظيماً للمشهد الإعلامي، بل هو ذبح له بسكين صدئة باسم تنظيم المهنة والضبط الإعلامي… والأسوأ من كل ذلك يساوون عن جهل أو عمد بين هواة ناشطين يكتبون الأراجيف على مواقع التواصل الاجتماعي وصحافيين متخصصين وحاصلين على القيد الصحافي ويعرفون حدود مهامهم ووظائفهم، يريدون ان يحاكمونهم بقانون واحد يسمى قانون جرائم المعلوماتية المتخصص في الجؤائم الإلكترونية ويضعون قانون الصحافة ونيابة الصحافة جانبا..فأي تربص وأي جهل هذا وأي ظلم..
الحكومة التي تحترم نفسها لا تخشى القلم، بل تخشى أن تفقد القلم الحر فيكذب عليها المتملقون، ويخادعونها ويتزلفون إليها وينافقونها..
حرية الصحافة ليست منحة من رئيس وزراء ولا هبة من وزير إعلام، هي حق انتزعه الشعب السوداني بدمه، ولن يصادره ترخيص ولا بلاغ ولا مادة إعدام….اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.







إرسال تعليق