بتاريخ : 15 أبريل، 2026 - 6:10 م
الزيارات : 7
بقلم د . خالد صالح
الجمعة ١٤ أبريل ٢٠٢٣م، كان هو اليوم الذي سبق إنطلاقة الحرب اللعينة من الخرطوم ، الجمعة بالنسبة لي هو يوم الراحة والاستجمام بعد الدوام الأسبوعي المتعب وإرهاق العمل المتواصل ولهاث المواصلات ، استغله كثيراً في النوم ليجدد جسمي خلاياه ويعوض ما فقده من جهد ، إستعدادا لجولة أسبوعية مقبلة بذات الروتين.
كان رمضان قد دخل أواخره العشر وعلى وشك الرحيل ، نهضت من نومي قبل صلاة الجمعة بوقت كاف ، أديت صلاة الجمعة بمسجد الشايقي وهو مسجد غير بعيد من منزلنا بالخرطوم ، عدت بعدها الي المنزل ، أديت بعض الفروض الروحية والأشغال المنزلية ، راجعت الهاتف ، واطلعت على مواقع إخبارية ورسائل ومجموعات في تطبيقات الواتساب والفيس بوك والماسنجر ، الأخبار عادية وروتينية ولم يكن فيها ما يريب ، بالرغم من أننا كمواطنين كنا نرصد التوترات المتصاعدة ما بين قحت والمجلس العسكري على ورقة الإطاري من جهة، والتوترات بين شركاء المجلس العسكري والملحوظة في خطابات حميدتي عبر الميديا ، والذي بات واضحاً للمراقب الحصيف أنه صار يتبنى أطروحة الإطاري وأقرب إلى قحت منه إلى زملائه في المجلس العسكري ، بشكل يجعل المرء يتوقع صداما عسكرياً محتملا في ظل الثقل الإماراتي والسعودي بإتجاه الإطاري وفي ظل الأجندة المشبوهة لفولكر مهندس الورقة الإطارية.
حسنا بعد العصر قررت زيارة أسرة شقيقي الكبير بضاحية جبرة جنوب ، وتناول الإفطار الرمضاني رفقتهم ، خرجت الي الشارع العام ، الحركة عادية وليس هناك ما يثير الإنتباه ، وحركة الشراء في أوجها في ذلك العصر الرمضاني ، حيث تكثر حركة البيع والشراء للمواد الغذائية والفاكهة واللحوم وغيرها من المستلزمات المنزلية ، عرجت على السوق المركزي ، كان تقاطع الصينية المركزي يئن من وطأة الحركة كعادته، السيارات تصطف في طوابير طويلة مثيرة للملل وأبواق السيارات تتداخل مع أصوات الباعة الجائلين وأصوات باعة الخضروات والفاكهة ، وأصوات كموسنجية المواصلات ، وأصوات الركشات الحائرة لصناعة كولاج صوتي غريب وثقيل .
لم أكترث ، فقد تعودت على هذه الفوضى الحركية والتلوث السمعي في أسواق العاصمة.
واصلت مشواري ، تناولت إفطارا رمضانيا شهيا وسط سعادة أسرة شقيقي بجبرة.
بعد الإفطار قمت بزيارة إجتماعية أخري في الجوار، كنت قبلها قد أخبرت حلاقي بالسوق الشعبي الخرطوم أنني سأمر عليه بخصوص الحلاقة في ذات المساء ، ترجاني ألا اتأخر ، عندما أدركته أخيراً، كان على وشك المغادرة الي منزله.
اتعذرت له على التأخير ، وقلت له أنني لا أملك وقتاً آخر للحلاقة غير هذا المساء ، لأنني أجهز نفسي للسفر لقضاء عطلة عيد الفطر المبارك وسط العائلة الكبيرة بسنجة ، ضحك وقال لي : ( كلنا مسافرين البعيد عيد الخرطوم منو ، انا ذاتي ماش مدني أعيد مع أهلي ).
بعد الإنتهاء من الحلاقة ، امعنت النظر في المحلات التجارية اللامعة بالأضواء والمزدهرة بحركة الزبائن بالسوق الشعبي الخرطوم ، قررت أن أعود غداً السبت لشراء بعض لوازم العيد وهدايا للأسرة ، عدت ادراجي لمقر أقامتي مررت بشارع المطار ، كنت حركة الطيران عادية، والساحة الخضراء تعج بجمهور غفير سعيد لا علم له بما ينتطره بعد ساعات من مفاجآت غير سارة ، بالرغم من أن الساعة تقترب من منتصف الليل.
رجعت مقر أقامتي ، تناولت عشاءا خفيفا ونمت ، وأدركت صلاة الصبح ، ثم نمت بعمق هذه المرة ، ثمة طرقات تتناهي الي سمعي كأصوات ( حديدة الفندك ) كانت شقتنا في الطابق الأخير في العمارة السكنية ، مما أثار استغرابي من تلك الأصوات التي لا تكاد تنتهي ، بل تزداد بصورة متواترة ، عاينت ساعة جوالي التي كانت تشير إلي التاسعة والثلث صباحاً .
فتحت باب الشقة ، فغرت فمي من الدهشة ، كانت الأصوات التي تصورتها وأنا داخل الشقة كصوت ( حديدة فندك ) ، هي عينها أصوات أسلحة ثقيلة، الطيور تفر من اعشاشها فزعة، والجيران مثلي متسمرون على البلكونات والشوارع مندهشون لما يسمعونه من أصوات السلاح ولعلعة الرصاص.
كان صباحاً خرطوميا بشعا لم نعتاده من قبل ، مشاعر الناس مسكونة بالحزن والأسى ، منتصف النهار بدأت أصوات السوخوي المرعبة تداعب الآذان ، الناس خائفون وقلقون من مصير مجهول ، البعض الآخر حرص على سرعة تموين وشراء المستلزمات الغذائية وتخزينها بمنزله تحسباً لأيام مريرة ، في المساء كانت المضادات تترك بصمتها الملونة على الفضاء الأزرق ، الإشتباكات تزداد وتيرتها ، لم نصدق أبدا أن تكون الحرب قد بدأت في ذلك التوقيت الخامس عشر من أبريل الموافق الرابع والعشرين من رمضان ، حيث أيام العشر الأواخر قد حلت وشمر الكثيرون سواعد الجد للعبادة وصلاة التهجد ، كان عليهم أن يتحلوا بالأخلاق ويشعلوا شرارة الحرب بعد انقضاء الشهر الفضيل وعطلة عيد الفطر المبارك.
مكثت خمس أيام بالخرطوم منذ انطلاقة الحرب ، لم أنعم فيها بالنوم بشكل جيد مطلقا، فقد كنا نشغل الطابق الأخير في مقر إقامتنا ، وذلك مصدر الخطورة ، وكنا قريبين جداً من السوق المركزي والمدينة الرياضة ( حيت إنطلقت الشرارة الأولي للحرب كما يقال ) ، وكنا على تخوم المطار والمناطق الإستراتيجية مما جعل الإشتباكات على أشدها وأصوات الأسلحة الثقيلة تقلق منامنا.
غادرت الخرطوم على نحو درامتيكي بعد خمس أيام من إنطلاقة الحرب الي مدينتي سنجة، وسنجة تلك قصة أخرى مريرة من قصص الحرب اللعينة.
غادرت وتركت ورائي ذكرياتي وتاريخي واجتهادي وشهاداتي، ضاع كل شيء ، وما زال قلبي ينعم بالشهيق والزفير ولله الحمد والمنة.
إرسال تعليق