هرمز… حين يقترب التاريخ من إعادة كتابة العالم

  • بتاريخ : 23 مارس، 2026 - 7:26 ص
  • الزيارات : 237
  • هرمز… حين يقترب التاريخ
    من إعادة كتابة العالم

    ليست نهاية الإمبراطوريات حدثًا صاخبًا كما يتخيله الناس، ولا لحظة انهيار مفاجئة تُعلنها المدافع أو تُوثقها معاهدة استسلام. الإمبراطوريات، في الغالب، تموت بهدوء؛ تموت عندما يتغير اعتقاد العالم فيها، لا عندما تخسر آخر معاركها.
    التاريخ يعلمنا أن القوة الحقيقية ليست ما تملكه الدولة من جيوش، بل ما يعتقد الآخرون أنها قادرة على فعله. وعندما يبدأ هذا الاعتقاد في التآكل، تبدأ الإمبراطورية في الانسحاب من مركز العالم حتى قبل أن تدرك ذلك بنفسها.
    من هنا تبدو المقارنة التي يطرحها المفكر الاقتصادي راي داليو بين مضيق هرمز اليوم وقناة السويس عام 1956 أكثر من مجرد تشبيه تاريخي؛ إنها قراءة في اللحظة التي قد يتحول فيها ميزان القوة العالمي من طور إلى آخر.

    السويس: اللحظة التي فقدت فيها بريطانيا صورتها

    لم تكن أزمة السويس هزيمة عسكرية لبريطانيا بقدر ما كانت هزيمة معنوية للنظام الإمبراطوري نفسه. فالدولة التي حكمت البحار قرنين كاملين اكتشفت فجأة أنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها دون موافقة قوى أخرى.
    في تلك اللحظة، لم يتغير ميزان القوة فورًا، لكن صورة القوة تغيرت. وهذه هي النقطة التي يغفلها كثيرون: النظام الدولي يقوم على الإدراك قبل الوقائع. فعندما اقتنع العالم بأن بريطانيا لم تعد مركز القرار، بدأت الأموال تغادرها، وبدأ الحلفاء يعيدون حساباتهم، وبدأ التاريخ يتحرك في اتجاه جديد.الإمبراطورية لم تسقط في السويس؛ لكنها هناك فقدت مستقبلها.

    الجغرافيا كقدر سياسي

    منذ فجر التاريخ، لم تكن الممرات البحرية مجرد طرق للتجارة، بل مفاتيح للسلطة. من يضمن انسياب التجارة يضمن استقرار العالم، ومن يعجز عن ذلك يفقد شرعيته القيادية.
    يقع مضيق هرمز اليوم في قلب هذه المعادلة. إنه نقطة ضيقة تحمل عبئًا هائلًا من الطاقة العالمية، بحيث إن اضطرابًا فيه يمكن أن يهز الاقتصاد الدولي بأكمله. وهكذا يتحول المكان الصغير إلى اختبار ضخم: هل لا تزال القوة المهيمنة قادرة على حماية شرايين النظام الذي صنعته؟
    السؤال هنا ليس نفطيًا ولا عسكريًا فقط، بل حضاري في جوهره.

    دورة الإمبراطوريات: من الصعود إلى الإرهاق

    بعد دراسة طويلة لمسار القوى الكبرى خلال خمسة قرون، لاحظ داليو نمطًا شبه ثابت: تبدأ الإمبراطوريات بالانضباط المالي والتفوق الإنتاجي، ثم تبلغ ذروة الهيمنة، قبل أن تدخل مرحلة التوسع الممول بالديون والصراعات المتعددة.
    في هذه المرحلة الأخيرة، تصبح القوة العظمى قوية ظاهريًا لكنها مرهقة داخليًا. تتزايد الالتزامات الخارجية بينما تتراجع القدرة السياسية على تحمّل التكاليف. وعند أول اختبار حقيقي، لا يكون السؤال: هل تستطيع الانتصار؟ بل هل تستطيع الاستمرار؟
    وهنا تحديدًا تبدأ التحولات الكبرى.

    القوة وحدود الاحتمال الإنساني

    تكشف الحروب الحديثة حقيقة قاسية: المجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على القتال، بل بقدرتها على تحمّل الألم. فالدول الديمقراطية المتقدمة، رغم قوتها الهائلة، تصبح أكثر حساسية للخسائر الطويلة، بينما تستطيع القوى الأقل قوة اقتصاديًا تحويل الصراع إلى معركة صبر وإرادة.
    إنها مواجهة بين زمنين: زمن السرعة الذي تعيشه القوى الكبرى، وزمن الاحتمال الطويل الذي تراهن عليه القوى الأصغر.
    ومن هذا المنظور، يصبح أي صراع حول هرمز اختبارًا نفسيًا للنظام الدولي بقدر ما هو اختبار عسكري.

    المال يتبع الثقة

    التاريخ المالي للعالم يكاد يكتب قاعدة واحدة: العملات العالمية لا تسقط بسبب الأرقام، بل بسبب الشك. فعندما تبدأ الأسواق في الاعتقاد بأن القوة الضامنة للنظام لم تعد قادرة على حمايته، يبدأ رأس المال رحلة البحث عن ملاذ جديد.
    هكذا انتقلت القيادة النقدية من أمستردام إلى لندن، ومن لندن إلى واشنطن. ولم يكن الانتقال فجائيًا، بل نتيجة تراكم إدراكات بطيئة بأن المستقبل يتحرك في اتجاه آخر.
    لذلك فإن أي اهتزاز كبير في قدرة الولايات المتحدة على تأمين الاستقرار العالمي قد لا يؤدي إلى انهيار فوري، لكنه قد يفتح باب التحول الطويل نحو نظام متعدد المراكز.

    لحظة ما قبل التحول

    لا أحد يستطيع الجزم بأن العصر الأمريكي يقترب من نهايته، كما لا يستطيع أحد إنكار أن العالم يدخل مرحلة إعادة توازن عميقة. فالقوة الأمريكية ما تزال هائلة، لكن التحديات أصبحت أكثر تعقيدًا، والتكاليف أعلى، والخصوم أكثر صبرًا.
    وهنا تكمن حساسية اللحظة: التاريخ لا يطلب من الإمبراطوريات أن تكون أقوى من الجميع، بل أن تبقى قادرة على إقناع العالم بأنها كذلك.
    إذا نجحت في ذلك، يستمر النظام. وإذا فشلت، يبدأ الانتقال — ببطء أولًا، ثم بسرعة لا يمكن إيقافها.

    ما الذي قد يقرره هرمز؟

    قد يظل مضيق هرمز مجرد أزمة عابرة، وقد يتحول إلى علامة فاصلة في تاريخ القرن الحادي والعشرين. ففي مثل هذه النقاط الضيقة، يختبر التاريخ قدرة القوى الكبرى على حماية العالم الذي بنته بنفسها.
    الإمبراطوريات لا تنتهي عندما تُهزم، بل عندما يتوقف العالم عن الاعتقاد بأنها لا تُهزم.
    ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما سيحدث في هرمز، بل ما إذا كان العالم بعد هرمز سيبقى كما كان قبله.