بقلم / شذى عبد الله طه زين الدين
ليست كل النجاة فرحًا، وليست كل النهايات بداية مشرقة. أحيانًا نخرج من العواصف واقفين، لكننا لا نكون كما كنا. ننجو، نعم، لكننا نحمل في داخلنا شيئًا انكسر، وذكرى لا تلتئم، وصمتًا أثقل من الكلام. فبعض النجاة تأتي مكللة بالوجع، صامتة كدمعةٍ لم تجد طريقها إلى العيون.
ننجو حين تضيق الطرق وتتكاثر الخيبات، حين نتشبث بما تبقّى فينا من قوة، ونمضي رغم الانكسار. ننجو حين نُجبر على التخلّي عمّا أحببنا، وحين نتعلم كيف نعيش بلا أشياءٍ ظننا يومًا أننا لا نستطيع الحياة بدونها. لكن خلف تلك النجاة حكايات خفية، ندفع ثمنها من قلوبنا، ومن أعمارنا، ومن أحلامٍ ذابت بصمت.
ليس كل ما يُفقد يُعوّض، وليس كل ما يُكسر يُصلح. هناك وجوه غابت، وأماكن تغيّرت، وقلوب تعلّمت أن تصمت لأنها تعبت من الشرح. وهناك ليالٍ طويلة شهدت دموعًا لا يعرفها أحد، وقرارات صعبة اتُّخذت حفاظًا على ما تبقّى من النفس.
ننجو… لكن بثمنٍ لا يُقال.
بثمنٍ من الثقة التي لم تعد كما كانت، ومن البراءة التي غادرتنا دون استئذان، ومن الطمأنينة التي صارت حلمًا بعيدًا. بثمنٍ من صبرٍ طويل، وأملٍ قاوم الانطفاء، وقلبٍ تعلّم أن يخفي ألمه خلف ابتسامة هادئة.
ومع ذلك، فإن للنجاة كرامتها. فهي ليست هروبًا من الهلاك، بل انتصارٌ صامت على السقوط. أن تخرج من الألم حيًّا، محتفظًا بإنسانيتك، غير حاقدٍ ولا قاسٍ، هو أعظم أشكال القوة. فالناجون الحقيقيون لا يفاخرون بما مرّوا به، بل يحملون تجاربهم في صمت، ويواصلون الحياة بقلوب أكثر حكمة وأقل ضجيجًا.
النجاة لا تعني أن الألم انتهى، بل أنها لم تعد تملك القدرة على تحطيمنا. تعني أننا تعلّمنا كيف ننهض، وكيف نلملم ما تبقّى من أرواحنا، وكيف نعيد ترتيب أنفسنا لنكمل الطريق، مهما كان شاقًا.
وما أجمل أن تتحول الجراح إلى دروس، والخسارات إلى وعي، والدموع إلى بصيرة. حينها ندرك أن الثمن، مهما كان قاسيًا، لم يذهب سدى، بل صاغنا من جديد، وجعلنا أكثر فهمًا لأنفسنا، وأكثر رحمة بالآخرين.
ننجو… ونمضي.
نبتسم، ونخفي ما لا يُقال.
ونحمد الله سرًا، لأننا رغم كل شيء، ما زلنا هنا.
نجونا… لكن بثمنٍ لا يُقال.
قهوتي أحب شربها باردة ☕











إرسال تعليق