بقلم/ نجلاء كرار
لا تموت الأوطان بالفقر كما يظن الكثيرون، فالفقر يمكن أن يكون مرحلة عابرة، وقد أثبتت تجارب الشعوب أن الإرادة والعمل قادران على تجاوزه. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يُقهر الإنسان، حين تُسلب كرامته، ويُجبر على الصمت، ويشعر أن صوته لا قيمة له في وطنه.
الأوطان لا تنهار فجأة، بل تبدأ في التآكل حين يختل ميزان العدالة، ويتقدم من لا يستحق، ويتراجع من يملك المعرفة والخبرة. حين يتصدر الجهلاء المشهد، لا لأنهم الأكفأ، بل لأنهم الأقوى، يصبح القرار في يد من لا يدرك عواقبه، وتتحول الدولة إلى ساحة ارتجال لا إلى منظومة تُدار بالحكمة.
في مثل هذا الواقع، لا يختفي العلماء صدفة، بل ينسحبون بصمت. يتوارون خجلًا من مشهد لا يُنصفهم، وخوفًا من بيئة لا تحمي الكلمة الحرة. ومع غيابهم، يغيب صوت العقل، ويعلو الضجيج، وتُستبدل الحقيقة بالشعارات، والفهم بالادعاء.
الأخطر من ذلك، أن يتغير وعي المجتمع نفسه. فلا يعود الناس يبحثون عن الحكمة، بل ينحازون إلى القوة. يُصفّق للغالب، لا للمحق، ويُرفع من يفرض نفسه، لا من يستحق مكانه. وهنا يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية، ويصبح التمييز بين الحق والباطل أمرًا ضبابيًا.
وعندما يحدث ذلك، تتحول الحياة إلى غابة؛ حيث لا مكان للقيم، بل لمنطق البقاء. يأكل القوي الضعيف، ليس لأنه على حق، بل لأنه قادر. وتنهار العلاقات الإنسانية، وتُستبدل بثقافة الصراع، ويغيب الإحساس بالمسؤولية المشتركة.
في هذا المشهد، لا يكون الفقر هو المشكلة، بل غياب العدالة، وإقصاء العقول، وتهميش الكفاءة. فالأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تُدار بالشعارات، بل تحتاج إلى وعي يحميها، وعدل يوازنها، وعقول تقودها.
إن إنقاذ الأوطان يبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان، لصوته، لكرامته، ولعقله. يبدأ حين يُفتح المجال لأهل الحكمة ليكونوا في المقدمة، لا في الظل، وحين يُقاس الناس بما يقدمونه، لا بما يملكونه من نفوذ.
فالأوطان لا تموت حين تفتقر… بل تموت حين يُقصى العقل، ويُكافأ الجهل، ويُصمت الحق.
لكنها تعود للحياة… حين يعود ميزانها إلى العدل، ويستعيد إنسانها صوته، وتعود الحكمة إلى مكانها الطبيعي في قيادة المشهد.











إرسال تعليق