ميرغني الحبر يكتب : بين الوهم والحقيقة: أين نقف الآن؟

  • بتاريخ : 15 أبريل، 2026 - 9:17 ص
  • الزيارات : 9
  • بقلم / ميرغني الحبر

    “كاتب – محامي”

    في لحظات الأزمات الكبرى، تميل الأمم إلى صناعة أوهامٍ مريحة، تعوّض بها قسوة الواقع وتعقيداته. والسودان اليوم يقف في قلب هذه اللحظة الحرجة؛ حيث تتنازع المشهد روايتان: روايةٌ تُهوِّن من حجم المأزق وتُعلِّق الآمال على حلولٍ سريعة، وأخرى تُضخِّم الانسداد حتى تُفضي إلى اليأس. وبين هذين الحدّين، يظل السؤال الجوهري قائماً: أين نقف حقاً؟ وكيف نقرأ تعقيدات أزمتنا قراءةً واعية تُفضي إلى طريق الخروج لا إلى إعادة إنتاج الأزمة؟

    أولاً: تفكيك الوهم… ما الذي نرفض تصديقه؟

    أول الأوهام التي ينبغي تفكيكها هو الاعتقاد بأن الأزمة السودانية طارئة أو وليدة اللحظة. فالحرب الحالية لم تُنشئ الأزمة، بل كشفت عن اختلالاتٍ عميقة تراكمت عبر عقود: هشاشة الدولة، تسييس المؤسسات، غياب المشروع الوطني الجامع، واختلال علاقة المركز بالأطراف.

    وثمة وهمٌ آخر يتمثل في التعويل المفرط على الخارج؛ سواء في شكل وساطاتٍ دولية أو ضغوطٍ سياسية. ورغم أهمية العامل الدولي، إلا أن التجارب تُثبت أن الحلول المفروضة من الخارج، إن لم تجد سنداً داخلياً حقيقياً، تتحول إلى تسوياتٍ هشة سرعان ما تنهار عند أول اختبار.

    كما يبرز وهم “الحسم العسكري” بوصفه طريقاً مختصراً لإنهاء الأزمة، في حين أن الواقع السوداني– بتعقيداته الاجتماعية والقبلية والسياسية – يجعل من أي حسمٍ أحادي، بفرض نجاحه، مدخلاً لدوراتٍ جديدة من العنف، لا خاتمةً له.

    ثانياً: مواجهة الحقيقة… تعقيد الأزمة وجذورها

    الحقيقة التي ينبغي مواجهتها بشجاعة هي أن السودان لا يعاني من أزمة سلطة فحسب، بل من أزمة دولة. فالدولة – بوصفها إطاراً جامعاً – لم تستكمل بناءها المؤسسي، وظلت رهينةً للتجاذبات السياسية والصراعات المسلحة.

    وتتجلى هذه الحقيقة في عدة مظاهر:

    * تآكل مؤسسات الخدمة المدنية حتى فقدت كثيراً من مهنيتها واستقلالها.

    * تعدّد مراكز القوة المسلحة خارج إطار الدولة، بما يُضعف احتكارها المشروع للعنف.

    * انقسام النخبة بين مشاريع متناقضة، يغلب عليها الطابع الإقصائي لا التوافقي.

    * تراجع الثقة العامة في الدولة، وهو أخطر ما تواجهه أي أمة في طورها الانتقالي.

    وهنا ينبغي الاعتراف بأن الأزمة ليست سياسية فقط، بل هي أيضاً أزمة وعيٍ وإدارة تنوّع، وأزمة عدالةٍ تاريخية لم تُحسم بعد.

    ثالثاً: أين نقف الآن؟ تشخيص المرحلة الراهنة

    يقف السودان اليوم عند مفترق طرق حقيقي، يمكن توصيفه بثلاث سمات رئيسية:

    * انسداد أفق الحسم الأحادي: لا يوجد طرف قادر على فرض إرادته كاملة، وهو ما يفتح – موضوعياً – باب التسوية.

    * تزايد الضغوط الإقليمية والدولية: مع مؤشراتٍ على تدويل متصاعد للأزمة، وربما الدفع بها نحو أطرٍ قانونية دولية أكثر إلزاماً.

    * إرهاق داخلي شامل: اقتصادياً وإنسانياً وأمنياً، بما يجعل كلفة استمرار الصراع أعلى من كلفة التنازل المتبادل.

    وهذه السمات مجتمعة تضع البلاد أمام لحظة “إجبار تاريخي” على إعادة التفكير في مسارها، بعيداً عن الشعارات والمواقف الحدّية.

    رابعاً: التدخل الخارجي… من الوساطة إلى الوصاية

    من أخطر المؤشرات التي تلوح في الأفق، تصاعد الحديث – صراحةً أو تلميحاً – عن نقل الملف السوداني إلى مجلس الأمن الدولي للنظر فيه تحت الفصل السابع، وهو تطورٌ لا ينبغي التعامل معه بخفة عقل أو باعتباره مجرد أداة ضغط عابرة.

    فالفصل السابع لا يعني فقط تكثيف الجهود الدبلوماسية، بل يفتح الباب أمام إجراءاتٍ ملزمة قد تشمل العقوبات، أو الوصاية السياسية، أو حتى التدخل العسكري المباشر أو غير المباشر.

    إن الوصول إلى هذه المرحلة يُعد – في جوهره – إعلاناً ضمنياً بفشل القوى الوطنية في إدارة أزمتها، وعجزها عن إنتاج حلٍّ ذاتي يحفظ سيادة البلاد ويصون قرارها المستقل. فالتدويل، مهما بدا في ظاهره مخرجاً، يحمل في طياته كلفةً سيادية باهظة، قد تمتد آثارها لسنواتٍ طويلة.

    وليس بعيداً عن الذاكرة ما آلت إليه تجارب دولٍ دخلت تحت مظلة التدخل الدولي؛ حيث تحوّلت بعض تلك التدخلات – رغم شعاراتها – إلى مساراتٍ معقدة أعادت إنتاج الأزمات بدل حلها، كما حدث في ليبيا والعراق، حيث أدى التدخل الخارجي إلى تفكيك بنى الدولة دون أن ينجح في بناء بديلٍ مستقر.

    إن التحذير هنا لا ينطلق من رفضٍ مطلق للدور الدولي، وإنما من ضرورة التمييز بين دعمٍ يُسند الإرادة الوطنية، وتدخلٍ يصادرها. فكلما تأخرت القوى الداخلية في التوافق، ازداد هامش الفعل الخارجي، وتحوّل من وسيطٍ إلى مقرِّر.

    وعليه، فإن أخطر ما يواجه السودان في هذه اللحظة ليس فقط استمرار الحرب، بل فقدان القدرة على التحكم في مسار الحل ذاته. فحين يُنقل القرار إلى خارج الحدود، تصبح الأولويات الوطنية عرضةً لإعادة الترتيب وفق مصالح الآخرين، لا وفق احتياجات الداخل.

    خامساً: بين الاستسلام والتسوية… أي الخيارات أقرب للواقعية؟

    ليس من الحكمة الخلط بين التسوية والاستسلام؛ فالتسوية – في سياق الأزمات المعقدة – هي تعبير عن نضجٍ سياسي وإدراكٍ لتوازنات الواقع، وليست تنازلاً عن المبادئ. بل إن كثيراً من التجارب الدولية أثبتت أن التسويات الشاملة كانت أفضل الخيارات لإيقاف النزيف وفتح الطريق للإصلاح التدريجي.

    أما الاستمرار في الرهان على الحسم أو الانتظار السلبي لتدخلٍ خارجي حاسم، فهو – في أفضل الأحوال – إطالةٌ لأمد الأزمة، وفي أسوأها فتحٌ لباب الوصاية الدولية بأشكالها المختلفة.

    سادساً: نحو مقاربة واقعية للحل

    إن معالجة إشكاليات السودان المعقدة تتطلب مقاربة متعددة المستويات، تقوم على:

    * إيقاف الحرب فوراً بوصفه أولوية أخلاقية ووطنية لا تقبل التأجيل.

    * إطلاق عملية سياسية شاملة ذات مصداقية ، لا تُقصي أحداً، وتؤسس لقاعدة توافق وطني حقيقي.

    * إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية، بعيداً عن الولاءات الضيقة.

    * معالجة جذور الأزمة في قضايا الهوية، والعدالة الانتقالية، وتقاسم السلطة والثروة.

    * تحصين القرار الوطني من الارتهان للخارج، عبر بناء جبهة داخلية متماسكة.

    خاتمة

    بين الوهم والحقيقة، لا تملك قوى السودان ترف الاختيار بين طرقٍ متعددة؛ بل تقف أمام مسارٍ واحد تفرضه معطيات الواقع: الاعتراف بحجم الأزمة، والتخلي عن الأوهام المريحة، والانخراط في تسويةٍ وطنية شجاعة تؤسس لمرحلةٍ جديدة.

    وإذا كان من تحذيرٍ لا بد من إطلاقه بوضوح، فهو أن نافذة الحل الوطني تضيق مع كل يومٍ يتأخر فيه التوافق، وأن البديل – إن فُرض – قد لا يكون أقل كلفةً من استمرار الأزمة، بل ربما أكثر تعقيداً وأبعد أثراً على سيادة الدولة ووحدة أراضيها.

    إن أخطر ما يمكن أن نفعله الآن ليس الخطأ في التقدير، بل الإصرار عليه. فالأمم لا تسقط لأنها تواجه أزمات، بل لأنها تعجز عن قراءتها قراءةً صحيحة، أو تتأخر في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

    ما يزال في مقدور القوى الوطنية -حكومة ومعارضة-  انتشال البلاد من الهاوية، إذا توفرت الإرادة التي ترى الحقيقة كما هي وتتحرك على أساسها. فالأمم لا تُختبر بقدرتها على تجنب الأزمات، بل بقدرتها على تحويلها إلى نقطة انطلاق. وهذه اللحظة، على قسوتها، قد تكون بداية طريقٍ جديد… إن أحسنّا قراءتها وامتلكنا شجاعة الفعل في وقتٍ لم يعد يحتمل التردد.

    مقالات ذات صلة

    البنك الزراعي السوداني بين خطر الانهيار وطموح الإصلاح
    أبريل 15, 2026

    البنك الزراعي السوداني بين خطر الانهيار وطموح الإصلاح

    بقلم/ قسم بشير محمد  “كاتب وخبير مصرفي” يُعد البنك الزراعي السوداني من أهم مؤسسات الدولة، ولا تقل أهميته عن البنك المركزي، لما ظل يقدمه منذ تأسيسه عام 1957 من دعم فعّال للقطاع الزراعي والحيواني، مما أسهم بصورة مباشرة في تنمية الاقتصاد الوطني. إلا أن الحرب الأخيرة أثّرت بشكل واضح على أداء البنك، الأمر الذي يستوجب […]

    رسالة من موظف ضرائب مقهور و (نفّس الزول الشفشف حقك)!
    أبريل 15, 2026

    رسالة من موظف ضرائب مقهور و (نفّس الزول الشفشف حقك)!

    صدق المداد || صبري محمد علي (العيكورة) الأستاذ صبري محمد علي (العيكورة) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أود أن أُطلعكم على هذا الموضوع لطرحه على الجهات المسؤله حسب لغتكم الرصينة وصوتكم المسموع ياسيدي ….. أنا أعمل فى ديوان الضرائب منذ العام ١٩٩٠م والآن على أعتاب المعاش وكل المعلومات التى سأسردها لكم صحيحة (١٠٠%) فمنذ إندلاع […]

    الثورة كفعل تأسيسي: في بناء الدولة والسيادة والشرعية (6-7)
    أبريل 15, 2026

    الثورة كفعل تأسيسي: في بناء الدولة والسيادة والشرعية (6-7)

    *حوارات حول الأفكار(208)* بقلم / د. حيدر معتصم مدني مدير مركز الخرطوم للحوار *بين الفكرة والممارسة:كيف* *تحوّلت الثورات السودانية* *إلى مواسم للإقصاء؟* لم تكن الأزمة في التجربة الثورية السودانية يومًا أزمة شعارات، بقدر ما كانت أزمة في فهم تلك الشعارات وترجمتها إلى ممارسة سياسية راشدة. فمنذ الاستقلال، ظل الوجدان السوداني قادرًا على إنتاج لحظات ثورية […]

    إلى اليسار والقحاطة الآن وهم في برلين.
    أبريل 15, 2026

    إلى اليسار والقحاطة الآن وهم في برلين.

    بقلم / عادل عسوم إن هذا السودان محفوظ بفضل الله وصلاح الآباء والأجداد… لنبدأ بالحرب التي تسببتم فيها ودفعتم إليها آل دقلو، وبعتم لأجلها أنفسكم الرخيصة؛ ألم تسألوا أنفسكم عن أبعادها؟! لندع القتل والشفشفة والاغتصاب واحتلال البيوت والأعيان الذي مارسه من تناصرون؛ فليس لجرح بميت منكم إيلام، ولكن ألم تسألوا أنفسكم عن السبب في التخطيط […]

    إرسال تعليق

    • التعليقات التي تقوم بإرسالها سيتم نشرها بعد موافقة فريق الإدارة.
    • الرسائل التي تحتوي على افتراء أو اتهام لن يتم نشرها.
    • الرسائل التي تكون بغير اللغة العربية أو غير مرتبطة بالموضوع لن يتم نشرها.