منصّات التواصل… برلمان لا يمكن إغلاقه

  • بتاريخ : 8 أبريل، 2026 - 11:50 ص
  • الزيارات : 170
  • بقلم / الطيب مضوي شيقوق

    “محامي – مستشار قانوني”

    لم تعد منصّات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات لتبادل الأخبار أو التعليقات العابرة، بل تحوّلت مع مرور الوقت إلى مساحة عامة تشبه برلمانًا مفتوحًا، بلا سقف يحجبه ولا أبواب تُغلق في وجه أحد. وفي فضائها المشرع، يتحدث الناس بلغتهم اليومية، يروون معاناتهم، يناقشون السياسات، ويطرحون أسئلتهم مباشرة دون وسيط أو إذن مسبق. هذا التحول لم يأتِ بقرار سياسي أو تشريع رسمي، بل فرضه الواقع، حين شعر المواطن أن صوته في المؤسسات التقليدية لم يعد يصل بالوضوح الكافي.

    في البرلمانات التقليدية، يُمثَّل الشعب عبر نواب منتخبين، لكن الصوت الفردي يظل محدود الوصول. أما على منصّات التواصل، فقد أصبح المواطن معبّرًا عن هموم ومشاكل شعبه، يعرض قضاياه أمام مجتمع واسع، بل وأمام الحكومات نفسها. هنا تُطرح قضايا المعيشة، وتُناقش السياسات العامة، وتُكشف الأخطاء، وتُبنى حملات التضامن، ويتكوّن رأي عام سريع التشكّل. إنها ديمقراطية لحظية، غير مكتوبة القواعد، لكنها شديدة التأثير.

    و لاغرو فقد ازعج هذا البرلمان المفتوح الكثيرين. فالصوت الذي لا يمكن التحكم في جدول أعماله، ولا إخضاعه للتراتبية السياسية، بدا تهديدًا لمن اعتادوا إدارة النقاش من أعلى. ومن هنا بدأت محاولات مختلفة للسيطرة على الفضاء الرقمي: ليس دائمًا عبر المنع المباشر، بل عبر أساليب أكثر دهاء؛ كالتشكيك في النوايا، وتخوين المنتقدين، وصناعة ضجيج مضاد يهدف إلى إغراق الأصوات المطالبة بالإصلاح وسط فوضى الاتهامات.

    ومن أكثر الظواهر إثارة للدهشة، ظهور فئة تسارع إلى تصنيف كل رأي موضوعي أو تحليل عميق بأنه مجرد «تنظير بلا فائدة». وكأن التفكير الجاد أو النقاش العقلاني أصبح جريمة، وكأن الفكرة لا تستحق الاهتمام إلا إذا صدرت عن سلطة أو جهة رسمية أو حزب ينتمي إليه الناقد . هذا الاتهام لا يعد نقدًا للفكرة، بل محاولة لإسكاتها قبل أن ترى النور. فالعاجز عن الرد بالحجة يلجأ غالبًا إلى التقليل من قيمة النقاش نفسه، محوّلًا الحوار إلى موضوع للسخرية بدل أن يكون ساحة لإثراء الرأي العام.
    والحقيقة أن كل إصلاح كبير في التاريخ بدأ بفكرة، وكل تغيير اجتماعي أو سياسي سبقته نقاشات بدت للبعض مجرد كلام نظري. هل كانت تلك الأفكار «بلا فائدة»؟ أم أن أهميتها ظهرت حين نضج الوعي بها؟ السخرية من التحليل الموضوعي ليست موقفًا عمليًا، بل تعبير عن خوف من وعي يطرح أسئلة، والأسئلة تكشف هشاشة اليقين الزائف.

    أخطر الخلطات السياسية تصوير النقد باعتباره عداءً للوطن، بينما المجتمعات الحيّة لا تتقدم بالصمت، بل بالنقاش المسؤول. النقد الصادق لا يهدم الدولة، بل يحميها من الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات. والإصلاح لا يولد من التصفيق المستمر، بل من الاعتراف بالخلل والسعي لمعالجته. ومن يختزل النقد في خصومة، يضلل نفسه أولًا، ويضر مجتمعه ثانيًا.

    المشكلة ليست في وجود أصوات مختلفة، بل في طريقة التعامل معها. المجتمعات المستقرة تُبنى على إدارة الاختلاف، لا على محاولة إلغائه. حين تُفتح مساحة الحوار، تتحول المنصّات إلى أدوات وعي جماعي، أما حين يُدفع الناس إلى الصمت، فإن الاحتقان ينتقل من النقاش العلني إلى الغضب الخفي، وهو أخطر بكثير.

    لقد أصبح واضحًا أن منصّات التواصل الاجتماعي ليست ظاهرة عابرة، بل جزء من البنية الجديدة للحياة السياسية والاجتماعية. إنها برلمان لا يمكن إغلاقه؛ مصدره الإنسان ذاته، وحاجته الدائمة لأن يُسمَع صوته وأن يكون شريكًا في صناعة مستقبله، لا مجرد متفرج عليه. الحكمة اليوم لا تكمن في مقاومة هذا الواقع، بل في التفاعل معه بوعي ومسؤولية. فالأوطان التي تصغي لأصوات شعوبها تبني استقرارها على المشاركة، لا على الصمت، وعلى الثقة لا على الخوف.

    وفي النهاية، قد تستطيع السلطة إغلاق قاعة، أو تعطيل منبر، لكنها لا تستطيع إغلاق فكرةٍ حين تصبح صوتًا عامًا.

    فكما أمرنا النبي ﷺ بالمناصحة، يجب أن نمارسها بروح صادقة، ونتعامل مع اختلاف الرأي بالحكمة، لأن المناقشة الهادفة هي الطريق إلى الوعي والاستقرار.