معالجة التعثر المصرفي بين متطلبات الاستقرار المالي وظروف القوة القاهرة

  • بتاريخ : 30 مارس، 2026 - 2:16 م
  • الزيارات : 33
  • بقلم / سمير سيد عثمان

    في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة التي تمر بها البلاد ،، يظل دور بنك السودان المركزي محوريًا في تحقيق الاستقرار المالي ودعم مسيرة التنمية ،، إذ ظل ،، عبر سياساته ،، صمام أمان للاقتصاد الوطني وحارسًا للقطاع المصرفي في مختلف الظروف ..

    وفي هذا الإطار ،، لا يسعنا إلا أن نثمّن الجهود الكبيرة التي يبذلها في تنظيم العمل المصرفي وتعزيز الشفافية والانضباط ،، مع التأكيد على أن طبيعة المرحلة الراهنة تفرض مراجعات مرنة لبعض السياسات بما يحقق التوازن المنشود بين متطلبات الاستقرار المالي وظروف الواقع الاقتصادي ..

    ففي ظل ما تمر به البلاد من ظروف استثنائية فرضتها الحرب ،، لم يعد التعثر في سداد الالتزامات التمويلية مجرد حالة فردية ناتجة عن ضعف إدارة أو تقصير ،، بل أصبح في كثير من الأحيان انعكاسًا مباشرًا لواقع قاهر طال مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية ..

    وعليه ،، فإن التعامل مع هذا التعثر بذات الأدوات والسياسات التي كانت سائدة في فترات الاستقرار يثير جملة من التحديات التي قد تُفاقم الأزمة بدلًا من احتوائها ..

    لقد جاء منشور بنك السودان المركزي الأخير بشأن تحصيل التمويل المتعثر ليؤكد على اتباع الإجراءات الاعتيادية ،، بما في ذلك المضي في تسييل الضمانات ..

    غير أن هذا التوجه ،، رغم وجاهته في السياقات الطبيعية ،، يطرح إشكالات جوهرية في الظرف الراهن ،، حيث إن تسييل الأصول في بيئة اقتصادية مضطربة يؤدي عمليًا إلى بيعها بأقل من قيمتها العادلة ،، وهو ما يترتب عليه خسائر مزدوجة ،، تطال المصارف من جهة عبر تآكل قيمة الضمانات ،، وتثقل كاهل العملاء من جهة أخرى بحرمانهم من أصولهم دون تسوية حقيقية لمديونياتهم ..

    كما أن هذا التسلسل الإجرائي ،، الذي يبدأ بالتعثر وينتهي بتسييل الأصول ،، لا يأخذ في الحسبان الأثر التراكمي على الدورة الاقتصادية ،، إذ إن خروج الأصول الإنتاجية من يد أصحابها ،، أو بيعها في ظروف غير مواتية ،، يؤدي إلى تعطيل عجلة الإنتاج وانكماش النشاط الاقتصادي ،، مما ينعكس سلبًا على قدرة العملاء أنفسهم على توليد تدفقات نقدية تمكنهم من الوفاء بالتزاماتهم مستقبلًا ..

    وبذلك يتحول الإجراء من وسيلة للتحصيل إلى عامل يفاقم التعثر ويطيل أمده ..

    ومن هذا المنطلق ،، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في المنهجية المتبعة ،، بما يتماشى مع مبدأ اعتبار الحرب قوة قاهرة تستوجب معالجات استثنائية ..

    كما أن واقع المتعاملين مع الجهاز المصرفي ،، خاصة من صغار المستثمرين وأصحاب الأنشطة الإنتاجية ،، يكشف عن تحديات حقيقية خارجة عن إرادتهم ،، مثل تقلبات السوق وارتفاع تكاليف التشغيل ،، وهو ما يستدعي مراعاة هذه الظروف عند تصميم أدوات المعالجة ..

    إن إعادة هيكلة الديون ،، ومنح فترات سماح مدروسة ،، وربط السداد بقدرة المنشآت على استعادة نشاطها ،، تمثل بدائل أكثر كفاءة واستدامة من اللجوء الفوري إلى التصفية ..

    كما أن تبني آلية تدريجية لتقييم حالات التعثر ،، تميز بين التعثر المؤقت والهيكلي ،، من شأنه أن يحقق عدالة أكبر في المعالجة ،، ويمنع تعميم الإجراءات القاسية على جميع العملاء دون تمييز ..

    ويُضاف إلى ذلك أهمية إيقاف تسييل الضمانات مؤقتًا إلى حين استقرار الأسواق ،، ووضع أسس عادلة لتقييم الأصول تعكس قيمتها الحقيقية لا الظرفية ..

    إن الدور المحوري الذي يضطلع به بنك السودان المركزي في هذه المرحلة يتطلب موازنة دقيقة بين الحفاظ على سلامة القطاع المصرفي ودعم استمرارية النشاط الاقتصادي ..

    فالمصارف ،، في نهاية المطاف ،، لن تتمكن من استرداد أموالها إلا في بيئة اقتصادية متعافية ،، يكون فيها العملاء قادرين على الإنتاج والسداد ..

    وعليه ،، فإن مراجعة المنشور الأخير بروح مرنة تستوعب طبيعة المرحلة ،، وتتبنى حزمة من السياسات التي تعزز إعادة التشغيل بدلًا من التصفية ،، وتدعم التعافي بدلًا من التعقيد ،، تمثل خطوة ضرورية في الاتجاه الصحيح ..

    إن إنقاذ ما تبقى من الدورة الاقتصادية يتطلب قرارات استثنائية بقدر استثنائية الظرف ،، ويظل الأمل معقودًا على حكمة البنك المركزي في قيادة هذه المرحلة بما يحقق التوازن بين الاستقرار المالي والعدالة الاقتصادية .