إن أريد إلا الإصلاح! || محجوب مدني محجوب
إن ناموس الكون كما أرادت قدرة المولى عز وجل لا يقبل الفراغ.
فما من حدث إلا وله ردة فعل.
خطاب قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي بيوغندا قبل أيام يشكل فترة رابعة من فترات الأزمة السياسية السودانية.
إذ أن هذه الأزمة تتلخص كلها من أولها إلى ما شاء الله في أمر واحد فقط هو غياب دستور؛ ليتم بموجبه حكم البلد.
غاب هذا الدستور سيظهر حميدتي أو حميرتي أو أي كائن من كائنات الكون؛ ليسد هذا الفراغ، فطبيعة الكون أنه ليس به ثمة فراغ.
فإن كانت الحكمة تقول يضع سره في أضعف خلقه، فمع حالة حميدتي والسودان تكون الحكمة يضع سره في أجهل خلقه.
إن الدستور السوداني أس الأزمة السودانية مر بمرحتلين.
الأولى: صناعة هذا الدستور.
الثانية: تطبيق وحماية هذا الدستور.
المرحلة الأولى تجاوزتها التجربة السياسية بنجاح سواء في عهد الديمقراطيات الثلاث أو عهد الإنقاذ، فقد بذلت هذه الفترات جهدا مقدرا لصناعة دستور السودان، وقد تجاوبت جميع القوى السباسية لهذا التأسيس الدستوري اللهم إلا حركة جون قرنق، ومن لف لفها، وحتى هذه الأخيرة قد أبدت تجاوبا لتأسيس الدستور السوداني قبيل اغتيال رئيسها جون قرن.
تبقى الأزمة الحقيقية التي يمر بهذا السودان ومازال هي مرحلة تطبيق وحماية الدستور.
هذه الأزمة هي التي أفرزت حميدتي، ولا شيء غيرها أفرزه.
فالحل الوحيد لإزالة ظهور حالات مثل حالة حميدتي وما يشبهها هي إيجاد آلية لتطبيق وحماية دستور الحكم معا.
الفترات الأربع التي أفرزت حميدتي بسبب غياب الدستور هي:
فترة عمر البشير.
فترة ما قبل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر لعام ٢٠٢١.
فترة ما بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر.
فترة الحرب.
كل هذه الفترات التي أظهرت حميدتي كقوة مؤثرة في المشهد السياسي سببها أمر واحد فقط هو غياب الدستور.
غياب الدستور جعل عمر البشير يبحث له عن وسيلة يحفز بها حكمه، فإن كان هناك من دستور تحتكم إليه البلاد لما فكر البشير ولو للحظة في تكوين قوات الدعم السريع.
بل لو كان هناك دستور مطبق ومحمي من القوات المسلحة لما ظهر البشير وأسياده أصلا بانقلاب ٨٩.
استمرت أزمة غياب الدستور وأزمة صناعته بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨ فأفرزت حميدتي للمرة الثانية إلا أنها في هذه الفترة لبس حميدتي ثوب الثورة؛ ليكشف بذلك غياب أي وجود للدستور سواء من حيث إعداده أو تطبيقه.
ظهر حميدتي في المرحلة الثالثة مع الفريق البرهان وذلك إثر قيامهما معا بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وبالتالي ظلا الرجلين في تخبط، فمرة يتجهون شطر النظام البائد، ومرة يتجهون شطر الثورة والشعب تمثيلا مرة ودهاء واستغفالا بالشعب مرة أخرى، وكل هذا لم يفلح من كبح جماح الفترة الرابعة فترة قيام الحرب.
فالشاهد أنه كلما اتسعت فجوة غياب الدستور كلما اتسعت الأزمة وعظم خطرها.
ليظهر قبل أيام حميدتي كبطل سياسي يتحدث شرقا وغربا عن كل الملف السوداني لا يعرف من أي نقطة يبدأ خطابه، ولا يعرف من أي نقطة سينتهي.
تناول الحديث عن السلطة التنفيذية بل حتى التشريعية لم يسلم منها خطابه ناظرا باستهزاء وسخرية وتحقير لكل رموز العمل السياسي منذ أول يوم انتمى فيه للمشهد السياسي.
إن الأزمة السياسية بالسودان ليست في حميدتي، فلو لم يظهر هو لظهر حميرتي آخر.
كل الأزمة في غياب الدستور من حيث تطبيقه وحمايته
لا شيء يقضي على ظواهر الحميدتيات سوى التمسك بالدستور نطبيقا وحماية، وإلا سنظل نشاهد في كل مرة خطابا ووجودا طاغيا لتجربة لا تحمل مؤهلا واحدا مكنها من الظهور سوى سلبية وعجز وتفاهة المشهد السياسي بكل ألوان طيفه المدني والعسكري.
فجاء ظهور حميدتي كتتيجة طبيعية لما يدور في الساحة السياسية السودانية منذ عهد البشير إلى يوم الناس هذا.









إرسال تعليق