بقلم / م. مامون محمد الطيب عمر
الحلقة السادسة
المزيج المتنوع من التركيب الطبيعي للمناخ و الطبوغرافية تماهت معه البنية الإجتماعية للسكان بتسلسلها الهرمي من القبيلة والعشائر تحت مظلتها ثم العوائل أو خشوم البيوت و الحيشان و الأسر الأصغر والأفراد ..
فالمساحات الواسعة المتاحة وقلة عدد السكان إحتاجات لهذا الترتيب الإجتماعي لإستثمارها رعيا وزراعة وحفظ حدود ملكيتها من غول المنافسين من قبائل أو عابرين ولضبط توزيع المسؤليات والمنتوج بين أعضاء المجموعات المشتركة في الحماية فنتج عنها النظام الأبوي الذي يتحمل فيه مسئولية كفل المعيشة والأمن رجل واحد أو عدة رجال في مجالس القبائل والعشائر والأسر الممتدة وبالوقت نفسه يمتلك السلطة الإجتماعية التي تخوله لتحديد القيم والتقاليد والحفاظ على الموروث منها والتدخل في أخص دقائق حياة الأفراد الواقعين تحت مسئوليته هذه ونرى أثر ذاك واضحا حتى الآن رغم التحول الكبير الذي أحدثته المدنية الحديثة وبروز مفهوم الأسر النووية المستقلة عن هذه السلطة القابضة كحال سكان الحضر في المدن والقرى المستقرة ..
فمازالت كثير من البيوتات والأسر إلى وقت قريب تقوم على نظام الإعتماد على فرد واحد في تصريف شأنها كله مما أقعد المجتمع عن الإستفادة من طاقات كثيرة معطلة على مستوى الفكر المبدع إلا من حالات قليلة خارج سياقها فهم تبع لكبيرهم أو مستوى العمل المنتج فهم كذلك عالة على ما يوفر
وقد أدى هذا المزيج أيضا في فترات سبقت وليست بالبعيدة لتعزيز مفهوم الإسترقاق السائد حينها للحاجة لأيدي عاملة بتكلفة إعاشتها فقط وهذا الإرث مثل قاعدة العنصرية السائدة بين الشعوب السودانية و التي فرقت الناس وأدت لبروز مفهوم الهوية السودانية الماثل اليوم. وهذا مبحث أخر منفصل بحاجة لدرس خاص ..
إضافة لذلك أدى لتعزيز دور المرأة الأساس المكتسب من الإرث النوبي في القيادة إلى المشاركة في المسؤلية الإجتماعية والإقتصادية وإن تقاصر هذا الدور لها لدى القبائل العربية أو المتأثرة بثقافتهم الوافدة فإنه ظل قويا وحاضرا في بقاع كبيرة من السودان بإختلاف المفاهيم فمثلا في الغرب السوداني الواسع وبعض المناطق الجنوبية نلحظ دور المرأة الريادي في العمليات الإنتاجية والتجارية نظرا لقصر دور الرجل على مهنة الرعي أو الحراسة والإستعداد للنوازل التي تنتج بغارات القبائل والعشائر على بعضها (في الامثال السائدة هناك .. الرجل للدواس .. أي الحرب ولا يجوز شغله وإستنفاد طاقته للكد خلف المعايش فالأحرى به صونها لمهمة الدفاع والحرب )
ونرى أثر هذا المزيج أيضا لدى التجمعات التى طرأت على المجتمع بدخول رجال التصوف وتأسيسهم لمساجدهم (المسايد جمع مسيد) وسط هذه التجمعات فالفقراء وطلاب العلم هم القوى المنتجة لقوتهم وقوت ضيوف المسيد العابرين و حاجات الشيوخ وأسرهم في أراضي أقتطعت وخصصت لهذه الأغراض .. و من جهة أخرى أسهمت في التأسيس لمعاني جديدة ومفيدة حيث ساهمت هذه التركيبة في بروز قيمة العمل الجماعي والفزعة للمساعدة عن الملمات ورأينا ومازلنا في العمل الطوعي لبناء المؤسسات و المنشاءات حين تعجز أو تتقاعس الدولة عن القيام بها و هي من صميم عملها ومسئوليتها ..
ساهم التركيب القبلي المتضامن في إعلاء قيم القرابات ونفع القريب على معاني العدل في تولي الشأن العام بصورة ملحوظة وضعف الشعور بالانتماء الوطني بمعناه المستحدث ..
أواصل ..











إرسال تعليق